موسكو | قدم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، باكراً برنامجه للانتخابات الرئاسية التي ستشهدها البلاد ربيع العام المقبل. وإذا كان من المبكر الحديث عن الانتخابات، لكن أجوبة الرئيس الروسي خلال حواره السنوي المباشر مع المواطنين أمس، والمعروف بـ«الخط المباشر مع بوتين»، كانت كفيلة برسم توجه إدارته في المرحلة المقبلة حيال الملفات الأساسية التي تشغل بال المواطنين الروس في الملفات الاقتصادية والاجتماعية.


اللقاء الخامس عشر الذي يجريه بوتين، والذي تأخّر عن موعده شهرين هذا العام، استغرق أربع ساعات، أجاب خلاله الرئيس عن أسئلة اختار بعضها بنفسه، وتنوعّت بين القضايا الداخلية (وضع المرافق الحياتية، والرواتب، والطرق، والضمانات الاجتماعية والصحة والتعليم)، والمسائل الدولية التي تهم المواطنين، من تطورات أزمتي أوكرانيا وسوريا والعلاقات الروسية ــ الأميركية.
وتماشياً مع الإقبال الكبير للمواطنين الراغبين في التواصل مع الرئيس، خصّصت السلطات خمسة مراكز لاستقبال أسئلة الراغبين في طرحها على بوتين، وتنوّعت الوسائل، بين رسائل نصية عبر موقع خصص للغاية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيق خُصّص للحدث، أو عبر تسجيل فيديو.
وهذا العام، تلقت المراكز مليوني سؤال للّقاء الخامس العشر الذي انطلق في عام 2001. اللقاء الأخير قبل الانتخابات الرئاسية، لم يكسر الرقم المسجل في عام 2013 الذي استغرق 4 ساعات و48 دقيقة.
ومنذ انطلاق هذا التقليد السنوي، يولي الرئيس الروسي أهمية قصوى للحدث، فتمسّكه بهذه الصيغة للتواصل مع المواطنين سببه، بحسب رأيه، أنه «قبل كل شيء، أفضل استطلاع سوسيولوجي للآراء... ويتيح لنا أن نرى حقيقة ما يهم الناس. أما السبب الثاني، فهو إمكانية إيصال موقف قيادة البلاد، وتحديداً موقفي الشخصي بشأن بعض القضايا الرئيسة للسكان، وتقديم تقييماتي للأحداث».
بوتين أعاد تأكيد أهمية اللقاء، لأنه «تتضح لي وللحكومة، المشاغل الأساسية وذات الأهمية، التي تتطلب اهتماماً خاصاً».
الرئيس الروسي تحدث بإسهاب عن الملفات الداخلية، التي أولاها أهمية قصوى في حديثه الذي تخلّله بعض المزاح في التواصل مع الجمهور الموجود في القاعة. وطمأن الشعب الروسي إلى أن الأزمة الاقتصادية في روسيا قد انتهت، موضحاً أن الاقتصاد تجاوز مرحلة الانكماش وانتقل إلى مرحلة النمو، بعد ثلاث سنوات من العقوبات المفروضة على موسكو.
وخلال استعراضه إنجازات الاقتصاد الروسي، قال إن الناتج المحلي الإجمالي سجّل في الثلث الأول من العام الحالي نمواً بنسبة 0.7%، مشيراً إلى أن نمو الاستثمارات المباشرة يتجاوز نمو الاقتصاد، وهو ما اعتبره «مؤشراً جيداً».


شدّد بوتين على أن روسيا لا تعتبر الولايات المتحدة عدواً لها


ولفت إلى أن العقوبات الغربية ضد روسيا شكلت حافزاً لتطور الصناعات التكنولوجية العالية وقطاع الزراعة في البلاد، مشيراً إلى أن خسائر الدول المنخرطة في العقوبات ضد روسيا بلغت 100 مليار دولار، مقابل 50 مليار دولار خسرتها روسيا، ورأى نتيجة لذلك أن العقوبات «سلاح ذو حدين ويضر بالجميع».
وكشف بوتين أن روسيا سترفع العقوبات، التي تفرضها على واردات المنتجات الغذائية، إذا ألغت الدول الغربية عقوباتها التي تفرضها على بلاده.
وتعليقاً على قرار مجلس الشيوخ الأميركي الأخير الذي صوّت لتوسيع العقوبات على روسيا، شدّد الرئيس الروسي على أن القرار جاء من دون أي سبب، ورأى أن ما يحصل هو نتيجة الصراع السياسي الدائر في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن تنتهج سياسة العقوبات لكبح روسيا. وشدّد على أنه لو لم تكن مسألة القرم لكانوا قد اخترعوا مسألة أخرى ليفرضوا عقوبات على بلاده، وأضاف أن روسيا عاشت دائماً تحت العقوبات، التي تفرض عليها بمختلف الحجج عندما يشعر البعض بمنافسة جديّة.
وفي الملف الاقتصادي والاجتماعي، تحدث الرئيس الروسي عن خطط حكومية لدعم قطاع الزراعة الذي شهد نمواً في العامين الماضيين بحسب وصفه، فيما أعرب عن أمله أن يقوم البنك المركزي الروسي بخفض سعر الفائدة الرئيسي، تدريجاً وبشكل حذر، مشدداً على أن الهدف الرئيسي للمركزي الروسي من سياساته المتبعة هو تأمين استقرار العملة الوطنية.
ولم يغفل بوتين الملفات الاجتماعية، والصحة والتعليم، وقال إن الخطط في هذه الملفات تسير بشكل جيد وتطوّر ملحوظ، وأعطى مثالاً على ذلك انخفاض الوفيات لدى الأمهات والأطفال، وارتفاع متوسط العمر.
وفي الشأن السياسي الداخلي، أبدى بوتين استعداده للحوار مع معارضة «لا تستغل مشكلات البلاد لتحقيق أغراضها السياسية، بل تقترح حلولاً لهذه المشكلات».

واشنطن ليست عدواً!

في الملفات الدولية، شدد الرئيس الروسي على أن روسيا لا تعتبر الولايات المتحدة عدواً لها، وأوضح أن هناك مجالات كثيرة تتطلب تعاوناً وثيقاً بين البلدين، ومنها منع انتشار الأسلحة النووية ومكافحة الفقر والتصدي للتغيير المناخي، مشيراً إلى أن موسكو مستعدة لحوار بنّاء مع واشنطن. وأضاف: «هناك الأزمة السورية وقضية الشرق الأوسط. ولقد اتضح للجميع أننا لن ننجح في شيء بدون تعاون مشترك بناء».
وأكد الرئيس الروسي أن مصالح الولايات المتحدة الأميركية وتدخلاتها موجودة وماثلة في كل مكان من الكرة الأرضية. ولفت إلى أن الحملة الدعائية الإعلامية التي لا تتوقف للولايات المتحدة ونشاطات المنظمات غير الحكومية الأميركية، لديها تأثير متنامٍ على روسيا الاتحادية.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن أوكرانيا كانت محط أنظار الاستخبارات الأميركية، في ما أطلق عليها «ثورة ميدان» التي حصلت في كييف سنة 2014.
وفي ما يتعلق بالأزمة السورية، كشف بوتين أن إحدى المهمات الرئيسية ذات الأولوية بالنسبة إلى روسيا هي تعزيز مستوى الجيش السوري وقدراته القتالية، «لكي نتمكن بعد ذلك من الانسحاب بهدوء إلى مراكز المرابطة في حميميم وفي قاعدة طرطوس، ولنتيح للقوات السورية فرصة العمل بفعالية وتحقيق أهدافها المرجوة»، مضيفاً أنه حتى بعد هذا الانسحاب، سيكون بإمكان الطيران الروسي تقديم الدعم الجوي الضروري للجيش السوري في محاربة التنظيمات الإرهابية.
وأوضح أن موسكو تحرص على إطلاق عملية تسوية سياسية في سوريا بين جميع أطراف النزاع.
ورأى بوتين أن الخبرة التي اكتسبتها القوات المسلّحة الروسية في ظروف القتال بالخارج، واستخدامها أحدث أنواع الأسلحة الروسية، يعد «أمراً لا يقدَّر بثمن»، وقال: «اكتسبت قواتنا المسلحة نوعية جديدة فعلاً».
وأكد أن العملية العسكرية في سوريا جاءت بمنفعة كبيرة بالنسبة إلى قطاع التصنيع العسكري في روسيا، إذ سمحت باختبار أحدث أنواع الأسلحة وتصحيح العيوب وزيادة جودة هذه الأسلحة.

بوتين: ما زلت على رأس عملي

وفي ردّ على سؤال عن اسم خليفته، أجاب بوتين بأنّ الجواب عن هذا السؤال لدى الشعب الروسي حصراً الذي يقرّر من يحكم البلد، مضيفاً: «أنا الآن ما زلت على رأس عملي».
وفي نهاية الحوار قدم الرئيس الروسي نظرته للملفات الأساسية، التي برأيه تشكل أولوية للإدارة التي ستحكم البلاد في السنوات الست المقبلة. وأوضح أن الملفات الأساسية تتلخص بـ«توفير نمو اقتصادي جيد ودخل جيد للمواطنين، والتخلي عن الفقر والسكن الغالي»، إلا أنه شدد على أن توفير ذلك يتطلب حل قضية رفع إنتاجية العمل عبر اقتصاد جديد، هو الاقتصاد الرقمي، وتنظيم صحيح للعمل، وإدخال تعديلات جذرية في الأشكال الإدارية.




بوتين يعرض على مدير الـ«أف بي آي» اللجوء السياسي

عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على المدير السابق لـ«أف بي آي»، جيمس كومي، اللجوء السياسي في روسيا.
وأبدى بوتين دهشته من الحالة التي وصلت إليها العلاقات بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وكومي. وتساءل: «إذا كان الوضع هكذا، فبماذا يختلف مدير أف بي آي عن السيد سنودن؟ يعني أنه لم يعد مديراً للاستخبارات، بل أصبح ناشطاً حقوقياً، يدافع عن موقف معيّن». وأضاف: «إذا تعرّض (كومي) لملاحقة ما، فنحن مستعدون لتقديم اللجوء السياسي له أيضاً. ويجب أن يعرف كومي هذا الشيء».