باريس | لم تكد تمضي ساعات قليلة على التعديل الحكومي الذي أخرج منه، أول من أمس، أربعة من أبرز وزراء حكومة إيمانويل ماكرون الأولى، حتى عادت الفضائح المالية لتلاحق الفريق الحكومي. فقد كشفت صحيفة «ماريان» الفرنسية أن القضاء فتح تحقيقاً بتهمة «المحاباة وسوء إدارة المال العام» في قضية تتعلّق بتمويل «رحلة عمل» قام بها ماكرون في كانون الثاني 2016، حين كان وزيراً للاقتصاد في حكومة مانويل فالس، إلى لاس فيغاس وبلغت كلفتها 381 ألف يورو.


وأضافت الصحيفة أن قاضي التحقيق المكلف بالقضية أشرف صباح الثلاثاء الماضي، أي قبل أربع وعشرين ساعة من التعديل الحكومي، على عمليات مداهمة وتفتيش مقار مؤسسة «هافاس» للإعلانات ومؤسسة «فرانس بيزنس»، وهي وكالة حكومية تابعة لوزارة الاقتصاد، تُعنى بمساعدة الشركات الفرنسية على الاستثمار في الخارج. وتلك الوكالة هي التي تكفلت بتمويل رحلة ماكرون إلى لاس فيغاس.
ومع أنه لا يمكن لهذه التحقيقات أن تطاول ماكرون شخصياً خلال توليه الحكم بمقتضى قانون الحصانة الرئاسية، إلا أن هذه الفضيحة الجديدة تزج بحكومته الثانية في مأزق شائك، وذلك لأن مديرة وكالة «فرانس بيزنس» في الفترة التي تمت فيها الرحلة إلى لاس فيغاس، هي وزيرة العمل الحالية موريال بينيكو. هذه الفضيحة ستضع الوزيرة في مهب التحقيقات القضائية والتسريبات الإعلامية، وخاصة أنها هي التي ستشرف على إدارة أحد أكثر «المشاريع الإصلاحية» إثارة للجدل في الأسابيع المقبلة، أي تعديل قوانين العمل.
ووفق تسريبات نشرتها صحيفة «لو كانار أونشينيه»، فإن رحلة ماكرون إلى لاس فيغاس اندرجت ضمن فعاليات صالون Consumer Electronics Show أو «معرض الإلكترونيات الاستهلاكية»، المتخصص في التكنولوجيا الرقمية. وتم إسناد مهمة تمويل الرحلة إلى مؤسسة «فرانس بيزنس» لأن هدف تنقل ماكرون إلى لاس فيغاس كان عقد لقاء مع 500 من المستثمرين الفرنسيين الشباب الذين يمتلكون شركات في «سيليكون فالي».
كان من الممكن أن تمر تلك الزيارة بشكل روتيني، كأي رحلة عمل. لكن تكلفتها الباهظة، التي قدّرتها وثائق حصلت عليها «لو كانار» بنحو 381 ألف يورو، ومنها أكثر من 100 ألف يورو كتكلفة لإقامة ماكرون وفريقه في أحد فنادق عاصمة القمار الأميركية، فجّرت موجة أولى من الجدل في شهر آذار الماضي.
واقتصرت التسريبات التي نُشرت وقتها على انتقاد التكلفة الباهظة للزيارة، في الوقت الذي كان فيه ماكرون، بوصفه وزيراً للاقتصاد، ينتهج سياسة مالية متشددة تنادي بالتقشف. وأثيرت خلال حملة الانتخابات الرئاسية تساؤلات كثيرة من قبل منافسي ماكرون، عمّا إذا كانت رحلته إلى لاس فيغاس قد اندرجت ضمن طموحاته الرئاسية، التي لم تكن خافية على أحد، بالرغم من كون الزيارة تمت قبل استقالته من وزارة الاقتصاد وتأسيسه حركة «إلى الأمام». ومع ذلك، فإن الجدل الذي أثير خلال الحملة الرئاسية ظل أخلاقياً فقط، إذ ساد الاعتقاد بأن ماكرون لم يرتكب أي مخالفة قانونية، بالمعنى الحرفي للكلمة، رغم الاشتباه في استعماله المال العام لتمويل زيارة غير مرتبطة فعلياً بعمله كوزير للاقتصاد، بل اندرجت ضمن الخطة الترويجية التي مهدت لترشيحه للرئاسة.
إلا أن التسريبات الأخيرة التي دفعت القضاء إلى فتح تحقيق تمهيدي في القضية بتهمة «المحاباة وسوء إدارة المال العام»، بينت أن الشبهات لا تحوم فقط حول تكلفة رحلة لاس فيغاس وأهدافها الفعلية، بل تشمل أيضاً الأسلوب الذي تم وفقه إسناد تنظيم وإدارة الزيارة من قبل مؤسسة «فرانس بيزنس» التابعة لوزارة الاقتصاد إلى مؤسسة «هافاس» للإعلانات، وهي شركة خاصة يمتلكها الملياردير فانسان بولوري. وقد تم التعاقد بين الطرفين بخصوص تنظيم زيارة ماكرون إلى لاس فيغاس من دون إطلاق مناقصة علنية، خلافاً لما يشترطه القانون الفرنسي عندما يتعلق الأمر بصفقة بين مؤسسة عامة وأخرى من القطاع الخاص.


تشمل الشبهات
أيضاً أسلوب إسناد
تنظيم الزيارة إلى مؤسسة «هافاس»

ووفق ما نشرته صحف فرنسية عدة أمس، فإن تقريراً أعدّته وزارة الاقتصاد في 8 آذار الماضي في عهد ميشال سابان، الذي خلف ماكرون في حقيبة الاقتصاد، أكد أن الطريقة التي أبُرمت بها تلك الصفقة بين «فرانس بيزنس» و«هافاس» تضمنت بالفعل «مخالفة قانونية»، وهي مخالفة تتحمل مسؤوليتها مديرة «فرانس بيزنس» في تلك الفترة أي وزيرة العمل الحالية بينيكو.
تمسك ماكرون بوزيرة عمله، بالرغم من فتح تحقيق رسمي في القضية، أثار أكثر من تساؤل. ولم يُفهم لماذا لم يبادر الرئيس الفرنسي إلى تنحية بينيكو بشكل استباقي خلال التعديل الحكومي، كما فعل مع باقي الوزراء المهددين بالفضائخ المالية، وخاصة أن نزيل الإليزيه يعرف جيداً أن هذه الوزيرة ستواجه موجات عارمة من الانتقادات فور إطلاق مشروع تعديل قوانين العمل. ومن شأن فضيحة كهذه أن تضعها في مرمى نيران الصحافة وقضاة التحقيق، ما قد يضطرها إلى التنحي، وبالتالي تفجير أزمة سياسية ستستدعي تعديلاً حكومياً جديداً.
واعترف المتحدث باسم الحكومة، كريستوف كاستانير، في تصريح لإذاعة «أوروبا 1»، أمس، بأن بينيكو ارتكبت بالفعل «مخالفة قانونية»، لكنه برّر بقاءها في الحكومة بكونها «اعترفت بتلك المخالفة وأبلغت عنها فور التنبه لها، وعمدت الى فتح تحقيق داخلي (على مستوى مؤسسة فرانس بيزنس) لإيضاح الأمور، وتعاملت مع القضية بكل شفافية».
مع ذلك، يرجح بعض المحللين أن يكون ماكرون قد تمسك بوزيرة العمل لأنه يدرك أن الانتقادات ستتركز عليها ما دامت باقية في الحكومة، وبالتالي ستلعب دور «عازل كهربائي» يحميه شخصياً من تلك الانتقادات، مع أن ذلك لا يعني أنه لن يضحي بها لاحقاً إذا اقتضت الحاجة!