خلال الحملة الانتخابية، أثنى دونالد ترامب ــ المرشح عن الحزب الجمهوري ــ على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باعتباره «زعيماً قوياً» يودّ أن يعيد معه ضبط العلاقات الأميركية ــ الروسية المتوترة. غير أنه في الوقت الذي يتأهّب فيه لأول لقاء يجمعه وجهاً لوجه ــ وهو رئيس ــ مع بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين التي تعقد في ألمانيا، يومي الجمعة والسبت، فإنه يتعرّض لضغوط من الداخل للتشدّد مع الكرملن.


لقد أثارت الاتهامات بتدخل روسي في الانتخابات الأميركية، العام الماضي، انزعاج أعضاء الكونغرس من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء، ممّن يطالبون بفرض عقوبات مشدّدة على روسيا، في أعقاب ضمّها شبه جزيرة القرم في عام 2014. أيضاً، يشعر أعضاء الكونغرس، ومنهم السناتور الجمهوري عن ولاية كولورادو كوري غاردنر، بـ«القلق لتدخل روسيا الذي أطال أمد الحرب الأهلية في سوريا من خلال دعم الرئيس بشار الأسد»، ذلك فيما تسبّبت الأزمة السورية في حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، دفعت بطوفان من المهاجرين إلى أوروبا. وقال غاردنر، الذي كان واحداً من ستة من أعضاء الكونغرس دعاهم البيت الأبيض الشهر الماضي إلى بحث السياسة الخارجية مع ترامب على العشاء، إن «الرئيس (ترامب) يحتاج إلى توضيح أن العدوان المستمر من جانب روسيا في مختلف أنحاء العالم غير مقبول، وأنه لا بدّ من محاسبتها».


دبلوماسي ألماني:
ترامب مثل
حصان قائمتاه الأماميتان مربوطتان


في الوقت نفسه، يقول خبراء السياسة الخارجية إن تعيين محقق خاص للتحقيق في احتمال وجود صلات بين الحكومة الروسية وأعضاء في فريق حملة ترامب الانتخابية، أضعفَ قدرة الرئيس على المناورة مع روسيا. وقد توصل مجتمع الاستخبارات الأميركي إلى أن «روسيا كانت راعية لاختراق إلكتروني استهدف الحزب الديموقراطي في العام الماضي لمصلحة ترامب على حساب منافسته هيلاري كلينتون». إلا أن روسيا نفت تلك الاتهامات، في حين رفض ترامب مراراً فكرة وجود أيّ تنسيق بين حملته وروسيا، وشبّهها بأنها «مطاردة ساحرات».
مع ذلك، يرى خبراء السياسة الخارجية أن مجرّد رؤية ترامب يلتقي ببوتين ــ الضابط السابق في الاستخبارات الروسية ــ أمر محفوف بالمخاطر. وقالت جولي سميث، التي كانت ضمن فريق الأمن القومي في إدارة الرئيس باراك أوباما: «أعتقد أن رد فعل الكونغرس سيكون في غاية السلبية، إذا ابتسم (ترامب) أو لفّ ذراعه حول بوتين، أو قال إنه لشرف أن ألتقي بك. سنجد طريقاً إلى الأمام».
ترامب كان قد أشار إلى اهتمامه بالتعاون مع روسيا لهزيمة تنظيم «داعش» في سوريا، وتقليص مخزون السلاح النووي. ثم لزم البيت الأبيض الصمت حول ما الذي سيكون الرئيس مستعداً لتقديمه لروسيا مقابل مساعداتها. غير أن تكهنات ثارت أن بوسعه تقليص العقوبات، أو حتى إعادة مجمعين دبلوماسيين لروسيا في ماريلاند ولونغ آيلاند، كان الرئيس باراك أوباما قد صادرهما وطرد 35 دبلوماسياً روسياً، قبيل ترك منصبه.
ورغم أن بعض المسؤولين في الإدارة، ومنهم وزير الخارجية ريكس تيلرسون، يؤيّدون التواصل مع موسكو، فقد تشدد آخرون في ما يتعلق بروسيا، ومنهم نائب الرئيس، مايك بنس، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي. ولا تزال إدارة ترامب تراجع سياستها تجاه روسيا، إذ أشار مسؤول أميركي إلى أن هذه العملية قد لا تكتمل قبل شهرين. وفي حديث مع الصحافيين، الأسبوع الماضي، عن لقاء ترامب المرتقب مع بوتين، قال مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض إتش. آر. مكماستر إن الرئيس يريد أن «تطور الولايات المتحدة والغرب بأسره علاقة أكثر إيجابية مع روسيا»، مستدركاً بالقول: «إننا سنبذل ما هو ضروري للتصدي لسلوك روسيا المزعزع للاستقرار».
في مقابل ذلك، أدى عدم وجود استراتيجية موحّدة إلى قلق حلفاء الولايات المتحدة، كما قلّص التوقعات بأن تقود واشنطن المساعي لتسوية الأزمات في سوريا وأوكرانيا التي سيكون التعاون فيها حيوياً. وفي هذا السياق، قال دبلوماسي ألماني إن «ترامب مثل حصان قائمتاه الأماميتان مربوطتان، فلا يمكنه أن يقفز قفزات كبيرة إلى الأمام في ما يتعلق بروسيا، وإذا حاول فإن الناس سترتاب على الفور من أن ذلك جزء من مؤامرة كبرى».
ويُنظر إلى ترامب على أنه الرئيس الجديد الذي يحاول ضبط العلاقة الأميركية ــ الروسية المعقدة، إذ حاول الرئيسان جورج دبليو بوش وباراك أوباما تحسين هذه العلاقة، في أوائل عهد كلّ منهما، غير أنها تدهورت لاحقاً. ومن دواعي القلق بالنسبة إلى ترامب، عدم اهتمامه البادي بتفاصيل السياسات وميله إلى التعجّل في تحقيق إنجازات مع الزعماء الأجانب. وقال مكماستر للصحافيين إن ترامب ليس له «جدول أعمال خاص» للقائه مع بوتين، وإن المواضيع التي سيتناولها الزعيمان تتمثل في «كل ما يريد الرئيس الحديث عنه».
بدوره، قال مايكل ماكفول، الذي كان سفيراً للولايات المتحدة لدى روسيا في عهد أوباما، إنه يخشى أن يتوجه ترامب للاجتماع من دون أهداف واضحة. وأضاف: «أرجو أن يفكر أولاً في ما هو هدفنا في أوكرانيا، وما هو هدفنا في سوريا، وثانياً في كيفية تحقيق ذلك في اللقاء مع بوتين».
ويقول آخرون من العارفين ببواطن الأمور في واشنطن إن ترامب لن يتمكن من تحقيق تقدم له مغزاه مع روسيا في أي شيء، إلى أن يواجَه بوتين بالتدخل المشتبه فيه في الانتخابات. وفي هذا الإطار، أشار المسؤول المخضرم في وزارة الخارجية ستيف بايفر، الذي يتركز عمله على العلاقات الأميركية ــ الروسية، إلى أن على ترامب «حقاً أن يثير الاختراق الإلكتروني الروسي في الانتخابات العام الماضي، وعليه أن يقول شيئاً مثل: فلاديمير لا تفعل ذلك مرة أخرى. فستكون لذلك عواقب».
(الأخبار، رويترز)