لا بأس عليك إن خلته لا يموت. أن ترى صورته في صغرك وقد غزا الشيب لحيته، فيصيب الشيب رأسك ثم تجده ما زال يَتحرّك، كأحفورة حيّة... فلا جرم عليك إن ظننته أبديّاً. مات فيديل كاسترو، أخيراً. في ستينيات القرن الماضي، قرّرت وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة أن «تُدمّر صورته الشعبيّة».


اقتضت الخطّة إدخال أملاح «الثاليوم» في أحذية القائد الكوبي. هذا العنصر الكيميائي كان سيؤدّي إلى تساقط شعر لحيته. كانت لحيته رمزاً عالميّاً. لم تنجح الخطّة. لا يذكر الكاتب الأميركي رونالد كيسلر، أسباب فشل العمليّة في كتابه «داخل الـ سي آي إيه». المهم أنّها فشلت.


مئات محاولات الاغتيال
حاكتها أميركا لقائد
الثورة الكوبيّة
وإلى خطّة أخرى، تدبّرها «الوكالة» الأميركية ستقضي هذه المرّة بإطلاق ألعاب ناريّة مِن شواطئ كوبا، فترسم عندما تنفجر في السماء صورة المسيح. يُريدون أن يُظهِروا كاسترو يزدري الله. ذات يوم تنبّأ ماركس بأن الرأسماليّة ستُتاجر بكلّ شيء، بما في ذلك الدين، والله نفسه. لقد حقّقت الولايات المتّحدة تلك النبوءة فعلاً في حربها على الشيوعيّة. مئات محاولات الاغتيال، الجسديّة المعنويّة، حاكتها أميركا لقائد الثورة الكوبيّة، وكلّها فشلت. كان ذلك بأمر مِن الرئيس جون كينيدي أصدره لاستخبارات بلاده في كانون الأول عام 1961. خطّة خرقاء أخرى أُعدَّ لها. «الوكالة» لا تيأس، أمّا كاسترو فعصيّ على القتل حتى دخل هذا المسلسل الطويل سجلّ الأرقام القياسيّة العالميّة. خطّة أخرى، الآن ستلوّث «الوكالة» الهواء بمادة كيميائيّة، وذلك في منطقة المحطّة الإذاعيّة التي يُلقي فيها «القائد» خطاباته، فكان يُتوقّع أن يؤدّي ذلك إلى قيامه بأفعال هلوسيّة بعد استنشاقها. كانوا يُريدونه أن يظهر كأبله. لم يكن لهم ذلك. كان هو الهدف شخصيّاً، ولكن لا بأس بتلويث الهواء العام، فيستنشق آخرون، ما دامت الغاية تُبرّر الوسيلة. هذه هي أميركا. يَصعب تحديد أيّ «تيمة بصريّة» كانت الأبرز في شخص كاسترو. لحيته، أم الثوب العسكري، أم سيجاره؟ كلّها كاسترو. «الوكالة» الأميركية بحسب التسريبات لاحقاً، التي نقلها كيسلر وغيره، لم تستثن سيجار فيديل الشهير في عملياتها. خطّة بدسّ مادة كيميائيّة داخل علبة سيجار، مِن تلك التي كانت تصل لكاسترو فيدخنها، بحيث تؤدّي إلى اختلال مؤقّت في الشخصيّة. كلّ هذا لم يَنجح. لم يبق شيء لم تُفكّر فيه أميركا. يطلب مساعد مدير العمليات (الاستخباريّة) ريتشارد بيسل مِن مدير الأمن إدوارد شيفل، الاتصال بقادة «المافيا» لاغتيال الرئيس الكوبي. يُعرض على أحد قادة «المافيا» مبلغ 150 ألف دولار لقاء رأس كاسترو.

«لقد تعلمنا الكفاح ضد المستحيل.
لا يُترك الوطن لإنقاذ الحياة. قيمة المثال دائماً أعلى من قيمة الانسان»
(من مقابلة مع صحافي فنزويلي خلال الحرب)

تحصل الموافقة. يَطلب «المافيوزي» سالفاتور كانيكانا حبوباً مميتة لدسّها في طعام الهدف. لا تتأخر «سي آيه إيه» عن الطلب فتصنع حبوباً تحتوي على «التوكسين» السام. تُرسل «الوكالة» هذه الحبوب إلى «المافيا». المهمّة على وشك أن تنجح. في اللحظات الأخيرة تعتذر «المافيا» عن عدم التنفيذ. سببهم في ذلك أن مصدرهم في تنفيذ عمليّة الاغتيال فقد توّاً منصبه الوظيفي في كوبا، إذ كان يعمل في مكتب رئيس الوزراء. تفشل الخطّة مجدّداً. كلّ ذلك يحصل بعد فشل عمليّة «غزو خليج الخنازير». لا العسكر نجح ولا دسائس الاستخبارات ولا حتّى السحر. كان سحر كاسترو أقوى. حيكت حوله الكثير مِن الأساطير الشعبيّة المستوحاة مِن تُراث الشعوب الأصليّة في منطقة الكاريبي والأنتيل. بدأ ذلك مِن الساعات الأولى لانتصار ثورته ومعه الأيقونة الأخرى، أرنستو تشي غيفارا، عندما حطّت طيور الحمام على كتفه. قال الناس إنّ الإله «أولودومار» يحميه بواسطة «أوشالا»... وإنّ له الخلود.
مات الآن فيديل كاسترو. جيوش مِن الأطباء أرسلها إلى دول الفقر حول العالم. آلاف العسكريين الثوار بعث بهم لنجدة ثورات خارج بلاده الجزيرة. سيرتبط اسمه للأبد بذكرى حبس العالم أنفاسه نوويّاً. حكايات كثيرة للتاريخ أن يَحفظها. رواية «لمن تُقرع الأجراس» (لإرنست همنغواي) كانت مِن رواياته المفضّلة. تلك الرواية التي اقتبس مؤلّفها اسمها مِن كتابات أحد شعراء القرن السابع عشر الإنكليزي جون دون، إذ يقول: «لسنا جزر مُستقلة بذاتها. كلّنا جزء مِن القارة، جزء مِن كلّ. موت أيّ كائن ينتقص منّي، فأنا معني بالبشريّة، ولذا لا تُراسلني أبداً لتسألني لمن تُقرع الأجراس... إنها تُقرع مِن أجلك».