طهران | حصل ما كان يتساءل عنه مجلس الشورى الإسلامي قبل ستة أشهر، في جلسة الاستماع لوزير الخارجية محمد جواد ظريف. حينها، وجّه رئيس المجلس علي لاريجاني سؤالاً لظريف عن قانون العقوبات المعروف باسم «قانون داماتو»، وأجاب هذا الأخير بالقول إن هذا القانون غير موجود، وإنما ISA ـ Iran Sanctions Act (قانون العقوبات على إيران)، هو القانون الذي دعا نظيره الأميركي إلى تمديده نهاية عام 2016.


طهران التي كانت تعلم بأن واشنطن ستمدّد هذا القانون، أعدّت مسبقاً حزمة ردود «تقنية» على ما وصفته «بالخرق الواضح» للاتفاق النووي. وبعد إقرار مجلس النواب الأميركي للقانون، حذّرت القيادة الإيرانية، وعلى أعلى المستويات، من الرد «الحتمي» على هذا الخرق.
أما واشنطن، فقد خرقت الاتفاق النووي الذي ألغى ست عقوبات دولية في مجلس الأمن، وأوقف العمل بالعقوبات الأحادية مقابل التزام طهران تخفيف عدد أجهزة الطرد المركزي إلى ستة آلاف جهاز من الجيل الأول، وتقليص حجم مخزون اليورانيوم المخصب ووقف العمل بمنشأة «فردو» النووية جنوب طهران، إضافة إلى تغيير قالب مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة. وكان الخرق من خلال تمديد قانون العقوبات الذي يطاول التعامل المالي مع إيران، ويحدّد سقفاً معيّناً يصل إلى 20 مليون دولار للاستثمار، إضافة إلى فرض حظر على صادرات الخام الإيراني.
الإشارة الأولى في هذا الخرق، هي إلى العقوبات التي جمّدتها واشنطن (وكان يجب أن تُلغى وفق المطلب الإيراني)، وفق التزام بعدم فرض عقوبات على إيران على امتداد السنوات الثماني الأولى من الاتفاق، أي تعهّد الإدارة الأميركية بمنع أي عقوبات جديدة أقلّه حتى نهاية عام 2023. بناء عليه، فإن تمديد قانون العقوبات والعمل به، يمثل خرقاً للالتزامات الأميركية، وهنا تكمن العقدة الأبرز في تفسير هذه النقطة بين فرض عقوبات والعمل بها. وما يجزم الخلاف في قراءة هذه النصوص، هو وجود بنود إضافية في الاتفاق النووي، الذي ألغى عقوبات تحت قانون «ISA». وتظهر هذه البنود في الملحق الرقم اثنين من الاتفاق النووي في قسم 4-2 من اجراءات السلامة (Insurance measures). وذُكر وقف العمل بالقانون الممدد في بنود 4-3-1 و4-3-2 و4-3-4 و4-9-2 الموجودة في القسم المحدّد للطاقة، 4-3 (Energy and petrochemical sectors).
وتطرّقت هذه البنود إلى وقف العقوبات المتعلّقه بقانون الحظر الممدّد، ما يعني أن العودة إلى تفعيل هذه العقوبات تعدّ خرقاً للاتفاق النووي، وأيضاً ما يعني عودة العقوبات المجمّدة على إيران. وقد تضمّن البند الرقم 29 في النص الأساسي ــ بعنوان Sanctions ــ بشكل واضح ما يلي: «الاتحاد الأوروبي والدول العضوة، وأيضاً الولايات المتحدة الأميركية، وفق القوانين الخاصة بها، ستمنع أي سياسات تهدف بشكل خاص للتأثير السلبي والمباشر على سير التجارة الإيرانية، وعلى العلاقات الاقتصادية مع إيران، وهي تعد مخالفة لتعهّداتها بعدم الإخلال في تنفيذ خطة العمل المشترك».


أعدّت طهران مسبقاً حزمة
ردود «تقنية» على «الخرق الواضح» للاتفاق

انطلاقاً من هذه البنود، ترى الجمهورية الإسلامية أن هذا الخرق «صريح وواضح»، برغم عدم التزام واشنطن العديد من الشروط، الذي اعتُبر «خرقاً لروح الاتفاق» وليس خرقاً مباشراً له. فعلى الرغم من توقيع الاتفاق النووي، إلا أن الولايات المتحدة لم تفرج عن الأموال الإيرانية، وما زالت تمارس ضغوطاً على المصارف الدولية من أجل عدم التعامل مع طهران، كما تمنع أموال النفط من الوصول إلى الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن أنها صادرت قبل مدة ملياري دولار من الأموال المحتجزة. وكانت تُمارس هذه التصرفات عبر الضغط السياسي وخارج إطار قوننة هذه الأفعال، بعكس ما حصل في موضوع القانون الجديد، الذي يُعتبر وثيقة رسمية قانونية تنص على عقوبات أحادية على إيران.
المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي كان قد حذر قبل أسبوع من هذا الموضوع، وأشار إلى رد «حتمي» في حال إقراره. وتزامن ذلك مع فورة تصريحات للقيادة الإيرانية بالرد على الخطوة الأميركية. ولكن الرد الإيراني لن يكون بطلب وقف العمل بالقانون الذي بات بحكم المُقَر، كما أنه لن يكون سياسياً أو عسكرياً، بل سيتضمّن التوجه نحو تفعيل «الحزمة التقنية»، وهو الاصطلاح للخطة البديلة التي أُقرّت على مستوى قيادة القرار في المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يتعامل بشكل حازم مع هذا الموضوع. بالتالي، فإن رد طهران على الخطوة الأميركية قد يشمل إعادة تدريجية للعمل بما أوقفته إيران في المشروع النووي، حيث أن عملية تخصيب اليورانيوم وزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي، تعدّ الموضوع الأكثر حساسية وورقة الضغط الأساسية، التي فاوضت عليها طهران، على مدى أكثر من عقد من المباحثات.
استناداً إلى ما تقدم، يمكن القول إن حديث رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي عن إمكانية العودة إلى ما قبل الاتفاق بعام ونصف عام، ورفع مستوى التخصيب ليصل إلى عدد «190 ألف سو»، أمر وارد. وقد يأتي ذلك بانتظار رد فعل الدول الخمس في السداسية الدولية، ذلك أن خرق أحد الأطراف للاتفاق النووي، قد يفتح المجال أمام مواجهة بين طهران وواشنطن، ولكنه لن يستثني الولايات المتحدة من ضغوط شركائها في الاتفاق النووي. وهؤلاء لا يحبذون عودة التوتر مع إيران، وخصوصاً بعد التوافد الأوروبي إلى الأسواق الإيرانية، على اعتبار أنها شريك اقتصادي وتجاري مهم، إضافة إلى الحاجة للبقاء على تواصل مع الجمهورية الإسلامية، بسبب تأثيرها على ملفات المنطقة.