طهران | تحوّلت جلسة مجلس الشورى الإسلامي، التي كانت مقرّرة لتسلّم البرلمان ميزانية الحكومة للعام الإيراني الجديد لدراستها حتى شهر شباط المقبل، إلى منصة لإطلاق الردود على ما وصف بـ«الخرق الأميركي» للاتفاق النووي، في وقت حضرت فيه الحكومة بكاملها إلى البرلمان، برئاسة رئيس الجمهورية حسن روحاني، وغاب عنها وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي يقوم بجولة آسيوية.


افتتح رئيس البرلمان علي لاريجاني الجلسة بإطلاق سهام «السخرية» باتجاه الرئيس الأميركي باراك أوباما. وكلّما ذُكر هذا الأخير ارتفعت أصوات «الموت لأميركا» التي أطلقها النواب الحاضرون. وتوجّه لاريجاني بالخطاب إلى أوباما، متسائلاً عن تصويت مجلس الشيوخ لمصلحة الاتفاق النووي عند إقراره، فيما صوّت حزبه الديموقراطي على تمديد قانون العقوبات، قبل أيام. وقال رئيس البرلمان: «يبدو أن صلاحيتك قد انتهت، ولم يعد لك اعتبار». وفيما أشار إلى أن «النظام الأميركي بالإجماع موافق على تمديد العقوبات»، أكد أن «هذا خرق لن نسكت عنه».
لاريجاني لفت إلى القانون الذي أُقرّ في أوائل تشرين الأول من العام الماضي، تحت عنوان «الإجراءات والتعهّدات المتبادلة الملزمة في تنفيذ الاتفاق النووي»، وهو القانون الذي جرى إمراره قبيل تنفيذ الاتفاق، وتضمّن تسعة بنود، كان أهمّها البندان الثالث والسابع اللذان دعا مجلس الشورى إلى التزام الحكومة بهما. وينص هذان البندان على إعادة العمل بتخصيب اليورانيوم إلى مستوى «190 ألف سو» (سو: هي وحدة قياس أجهزة الطرد المركزي).


ينص مشروع قانون مقدَّم على انسحاب إيران من 80% من تعهّداتها

وانطلاقاً من هذا القانون، قدّم 87 نائباً اقتراح قانون مستعجلاً لرئاسة المجلس عبر رئيس اللجنة النووية في البرلمان مجتبى ذو النور، مؤلّف من مادة واحدة، بهدف إلزام الحكومة بالرد على الخرق الأميركي. ويعد هذا الاقتراح تفصيلاً للمادة الثالثة في القانون المعد أواخر عام 2015. وينص مشروع القانون على:
1 ــ إنتاج وتركيب أجهزة طرد مركزي للحصول على «190 ألف سو».
2 ــ رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المئة، وأي نسبة تحتاجها الأنشطة السلمية النووية.
3 ــ رفع مستوى مخزون اليورانيوم وفق الحاجة الوطنية من دون الرجوع إلى الكمية المنصوص عليها في الاتفاق.
4 ــ تطوير وإنتاج المياه الثقيلة للأنشطة السلمية، وبيع الفائض في الأسواق العالمية.
5 ــ إعادة العمل بمفاعل آراك للمياه الثقيلة.
6 ــ الانسحاب من التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي.
تعني هذه البنود عملياً، العودة بالمشروع النووي الإيراني إلى عام 2012، عندما كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي يقود المفاوضات. كذلك، هي تعني الانسحاب من 80 في المئة من التعهدات الإيرانية، ذلك أن الجمهورية الإسلامية دخلت المفاوضات النووية من أجل رفع العقوبات، وهو شرط وضعه المرشد الأعلى السيد علي خامنئي الذي شدد على حصرية التفاوض في المجال النووي، من دون الدخول في أي ملفات أخرى، بهدف الحق الإيراني بالنووي السلمي ورفع العقوبات والحظر عن البلاد.
عودة ظل العقوبات والتلويح بقوانين جديدة، أعادا عقارب الساعة النووية إلى الخلف. وحتى لو أقرّت القوانين الإيرانية، فهي تعدّ خطوة تحذيرية للأطراف المقابلة. وصحيح أن المفاوضات كانت بإدارة أميركية، ولكن شركاء واشنطن في التفاوض لم يحرّكوا ساكناً، حتى مسؤولة السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني التي تعدّ نفسها عرّابة الاتفاق لم تصدر أي رد فعل، حالها كحال الترويكا الأوروبية (الفرنسية ـ البريطانية ـ الألمانية)، وأصدقاء إيران في الصين وروسيا. وهذا دليل على أن الصراع الإيراني ــ الأميركي المفتوح الذي نظَّم الاتفاق النووي قواعد اشتباكه وهندسها، من دون أن يستطيع كسر حاجز العدواة والتربّص لدى الطرفين، ما زال مهيمناً على فكر القيادتين، وهو ما شكل أساس حركة استباقية للرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. وما قاله مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، يعد خير تعبير عمّا يُرسم من مواجهة مستقبلية مع واشنطن، بوضعه خرق الاتفاق النووي في خانة «الرد الأميركي على الانتصارات التي تحققها إيران وشركاؤها، على امتداد جغرافيا الإقليم». يفسر هذا الكلام الصراع الذي أراد من المشروع النووي أداة لإخضاع الجمهورية الإسلامية، واستمالتها عبر تقديم الإغراءات الاقتصادية والمالية والنفوذ، تحت عباءة الاتفاق النووي، وهو أمر أنجرّ خلفه بعض من في الداخل الإيراني، إلا أن التيار المترصّد للتحركات الأميركية بقي يعمل على عدم منح واشنطن القدرة على التأثير بصناعة القرار في إيران. وقد أعطى ذلك نتائج عكسية، خلافاً لما توقعته الولايات المتحدة. وقد يبرّر ذلك انتهاء ما يمكن وصفه بـ«الهدنة» التي منحها الاتفاق النووي لتنظيم الاشتباك الإيراني ــ الأميركي، الذي قد يستأنف بشكل أكثر حدّة، مع تسلّم ترامب رسمياً مفاتيح البيت الأبيض.