في أيار الماضي، كتبت الصحف عن «الصعود المفاجئ» لمرشح «حزب الحرية» نوربرت هوفر، عندما خسر بفارق طفيف (31,000 صوت) أمام مرشح «حزب الخضر» ألكسندر فان دير بيلين، في انتخابات رئاسية أُلغيت نتائجها بسبب عيوب ومخالفات في الإجراءات (الفارق كان أقل من 1%).


التغيّرات السياسية الكبيرة التي شهدها الغرب منذ ذلك الحين وصعود التيارات الشعبوية، زاد من قلق انتخاب أول «يميني متطرف» كرئيس دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، إلا أن بيلين الرافض لليمين المتطرف والمؤيد للتنوع الثقافي والديموغرافي والمدافع عن الأقليات الدينية والعرقية واللاجئين، فاز بفارق أكبر في الدورة الثانية، ليصبح بذلك رئيساً للنمسا بعد أشهر من الانتظار.
وبعد صدور النتائج الأولية (53,6 في المئة من الأصوات لمصلحة بيلين)، هنّأ «حزب الحرية» بيلين بالفوز على لسان أمينه العام هربرت كيكل الذي قال: «أرغب في تهنئة فان دير بيلين بهذا الفوز». من جهته، عبّر هوفر على صفحته على موقع «فيسبوك» عن «حزنه الشديد»، داعياً «جميع النمسويين إلى الوحدة والعمل معاً». وكانت معظم مراكز الاقتراع قد فتحت أبوابها عند السابعة بتوقيت النمسا، وانتهى التصويت الساعة الخامسة. وفي سابقة في التاريخ الحديث للبلاد، هزم الحزبان القادمان من «خارج النظام» («حزب الحرية» و«حزب الخضر») الحزبين اللذين كانا يهيمنان على الحياة السياسية («الاشتراكي الديموقراطي» و«المسيحي الديموقراطي») من الدورة الأولى.


وصف زعيم
«الحرية» ميركل بـ«المرأة الأكثر خطورة في أوروبا»

ويُعَدّ بيلين البالغ من العمر 72 عاماً، أول رئيس منتخب في دولة أوروبية تابع لـ«حزب الخضر»، وهو مؤيد قوي للاتحاد الأوروبي، ولكنه يعارض من منطلق بيئي «شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي» التي يجري التفاوض بشأنها بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. في البلد الكاثوليكي المحافظ، يؤيد بيلين ـ الأب المطلق ــ زواج المثليين، ويسعى إلى دمج الأقليات في العملية السياسية. ويؤمن أستاذ الاقتصاد المتقاعد الذي لجأ والداه إلى النمسا هرباً من حكم ستالين، بفكرة «الولايات المتحدة الأوروبية الخالية من السياج».
وتأتي الانتخابات النمسوية في حين تشهد فيه البلدان الأوروبية موجة يمينية مثل بولندا والمجر، حيث فازت أحزاب اليمين المتطرف بالانتخابات البرلمانية، وقبل أشهر قليلة من استحقاقات كبيرة في هولندا وفرنسا وألمانيا.
فبعد 6 أشهر على «بريكست» في بريطانيا وشهر على انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، كادت تكون لانتخاب هوفر، «الوجه اللطيف» لـ«حزب الحرية» الذي تأسس على يد نازي سابق عام 1956، تداعيات كبيرة على القارة الأوروبية التي تجتاحها موجة يمينية باتت تشكّل خطراً على وحدة المجتمعات الأوروبية. الرجل الأربعيني «الأنيق المظهر والمتحدث اللبق» الذي لم يتردد في إبداء إعجابه بـ«المرأة الحديدية» مارغريت ثاتشر، نجح في إقناع عدد كبير من الناخبين بسياسات حزبه التقليدية، بما في ذلك تلك التي وصفت بـ«المتطرفة»، بابتسامته التي لا تفارق وجهه واستخدامه خطاباً «أكثر اعتدالاً» من زعيم الحزب هاينز كريستيان شتراخه الذي وصف أخيراً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ«المرأة الأكثر خطورة في أوروبا».
وقبيل فتح صناديق الاقتراع، دعا هوفر الناخبين إلى «نفض الغبار القديم» وأن يكونوا «وطنيين فخورين بالنمسا من جديد»، فيما أكّد شتراخه أن هوفر يمثّل «المستقبل وليس الماضي» وسيدافع عن «مصلحة النمسا في وجه بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي)». ويرى مؤيدو هوفر، ومن ضمنهم زعيمة «الجبهة الوطنية» في فرنسا مارين لوبان وزعيمة «حزب البديل من أجل ألمانيا» فروك بيتري، وزعيم «حزب الحرية» الهولندي خيرت فيلدرز، أنه الرجل «الوطني» الذي يعبّر عن هموم الشعب التي تجاهلتها النخب السياسية الحاكمة في أوروبا.




لست متطرفاً لكن «لا مكان للإسلام»

«لا مكان للإسلام في النمسا»، هو أحد التصريحات المثيرة للجدل لهوفر الذي هدد (في حال انتخابه) بحل الحكومة، إذا فشلت في فرض قيود على المهاجرين واتخاذ موقف أكثر صرامة من هذا الملف. يعبّر الأب لأربعة أولاد عن «حبّه لإطلاق النار»، ويقول إنه «يتفهم» رغبة النمسويين في حمل السلاح نظراً إلى «حالة عدم اليقين الموجودة» في النمسا، في إشارة إلى دخول عشرات الآلاف من اللاجئين إلى البلاد في العامين الماضيين (90,000 لاجئ العام الماضي). فوفق هوفر «هؤلاء الناس لا يعملون في النمسا لذلك علينا التوفير لهم المهارات اللازمة حتى يتمكنوا من إعادة بناء بلادهم». ومن مواقفه المناهضة للجوء: «أقول لأولئك الذين لا يقدرون بلادنا، ويناضلون من أجل الدولة الإسلامية، ويغتصبون النساء... هذا ليس وطنكم. لا يمكنك البقاء في النمسا».
لا يعتبر هوفر الذي يتكئ على عكاز بعد إصابة خطرة في العمود الفقري في عام 2003، نفسه «يمينياً متطرفاً» بل «يمينياً وسطياً»، مؤكداً: «أنا رجل عادي جدّاً، رجل عائلي لا أحب التطرف». من أولوياته النهوض باقتصاد البلاد والتعاون مع أكبر عدد من البلدان، من ضمنها روسيا التي قال إنه يجب التعامل معها بـ«ديبلوماسية» بدل فرض العقوبات «غير المفيدة لحفظ السلام». ودعا في أيلول إلى مغادرة النمسا للاتحاد الأوروبي في حال انضمام تركيا، إلا أنه تراجع عن ذلك، داعياً في المقابل إلى فرض حظر على تجنيس الأتراك في النمسا إلا إذا تخلوا عن جنسيتهم الأولى.