من الإشارات التي يسعى المراقبون إلى التقاطها من الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، تلك التي يمكن أن تقدّم إطلالة على سياسته الخارجية المرتقبة، بعد دخوله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني.


ولأن ترامب لا يتمتّع بماضٍ يمكن البناء عليه لرسم أطر تلك السياسة، يحيل معظمهم انتباهه إلى الخطوات والتحرّكات التي يقوم بها، ومنها مثلاً الاتصال الهاتفي الذي تلقاه من الرئيسة التايوانية تساي إينغ وين، والذي أثار موجة انتقادات داخلية، إضافة إلى احتجاج صيني «شديد اللهجة». ولكن هذا الاتصال ليس الوحيد الذي عُدّ «مخالفاً للأعراف الدبلوماسية»، فقد أضيف إليه الاتصال بين ترامب ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، وإشادة ترامب به، الأمر الذي شكل مفاجأة للعديد من الدبلوماسيين، خصوصاً أن التواصل مع هذين الزعيمين، جاء قبل غيرهما من قادة الدول التي تعد حليفاً تقليدياً للولايات المتحدة.
يأتي التركيز الإعلامي على هذين الحدثين من منطلق أنهما «مفاجئان» على المستوى الدبلوماسي، إلا أن ذلك لا يجعلهما غريبين عن سلوك ترامب غير المتوقّع و«الاستفزازي»، الذي اعتمده منذ ترشّحه للانتخابات التمهيدية. كما أنهما ليسا كافيين لتشكيل خطوط السياسة الخارجية المقبلة، في الوقت الذي لا يزال فيه منصب وزير الخارجية يخضع للتكهّنات بشأن من سيشغله، ليضاف إلى لائحة الأسماء المقترحة له، تارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق ديفيد بترايوس، وطوراً حاكم ولاية يوتا السابق جون هانتسمان وغيرهما. وكانت هذه اللائحة قد تضمّنت، في البداية، حاكم ولاية ماساتشوستس السابق ميت رومني، وعمدة نيويورك السابق رودي جولياني، والمندوب الأميركي الأسبق لدى الأمم المتحدة جون بولتن.


مخاوف من كشف وثائق سرية تتعلق بالاتفاق النووي

لذا، نظراً إلى قلّة الإشارات المرجوّة، انشغلت وسائل الإعلام العالمية في الفترة الماضية، بإعلان نيّة ترامب تعيين الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزيراً للدفاع، كوسيلة حضرت أمامها لتكوين نظرة على سياسته في ما وراء الحدود. وراح البعض يحوك التحليلات بناءً على فكرة أن ماتيس محب للحروب والدماء وغيرها. ولكن حتى الآن، يمكن حصر القاسم المشترك بين ترامب ووزير دفاعه في الكره والعداء المُعلن لإيران، خصوصاً أن الرئيس المنتخب كان قد أشار أكثر من مرّة إلى عدم نيّة إدارته شن المزيد من الحروب، نظراً إلى كلفتها العالية على الموازنة، وهو التبرير الذي يتناسب مع نظرته التجارية لغالبية الأمور. من هنا، فإن أبرز ما يمكن استخلاصه من لمحة على فريق ترامب، ومن السلوك الأميركي الأخير نحو الخارج، هو أن المرحلة المقبلة ستشهد سياسة تستند إلى الاستفزاز، لبناء منهجٍ يعتمد على رد فعل القوى المُستفَزَّة، وهو ما يسري على إيران، بالدرجة الأولى. وستكون المقاربة الأميركية المقبلة للجمهورية الإسلامية، استكمالاً لتصريحات ترامب السابقة عن معارضته للاتفاق النووي، ولوصفه طهران بأنها «تموّل الإرهاب». وليس قرار الكونغرس الأخير، تمديد العقوبات على إيران، سوى تمهيد لعرقلةٍ للاتفاق النووي، سيتابعها ترامب على طريقته. فوفق موقع «ديلي بيست»، هناك مخاوف من أن يقوم فريق ترامب، خلال الشهر المقبل، بالكشف عن وثائق تخفي «اتفاقات سرية» ترتبط بالاتفاق النووي، «أراد أوباما إبقاءها بعيدة عن الأنظار». وقد نقل الموقع عن أشخاص شاركوا في مناقشة الموضوع، قولهم إن المسؤولين الذين سيكونون جزءاً من إدارة ترامب يتداولون، بالفعل، في نوعية المعلومات التي سيكشفونها بعد دخوله إلى البيت الأبيض. وقد يقابَل الكشف عن هذه الوثائق بترحيب من قبل المشرعين الصقور الذين طالما عارضوا الاتفاق النووي، ولا سيما أن هذا الاتجاه عُزِّز بتعيين أشخاص في الإدارة المقبلة، يطالبون باتباع الشفافية بشأن الاتفاق. ومن هؤلاء مايك فلين الذي عيّن في منصب مستشار للأمن القومي، ومايك بومبيو الذي سيشغل منصب مدير الاستخبارات المركزية.
أسلوب ترامب الاستفزازي ليس غريباً عن السياسة الأميركية، والذي كان قد خَفُت خلال ولايتي باراك أوباما، بعدما أحاله هذا الأخير على خطاب متقارب مع الخارج، موازياً إياه بحروبه غير المُعلنة. أما الآن، فيعمل ترامب على إعادة ذلك الخطاب إلى أساسه، ولكن وفق نوعية خارجة عن القواعد العامة، تتلاءم مع لفتاته الاستفزازية، التي تطاول الداخل والخارج.
وبالنظر إلى حادثة تايوان، فهي تعدّ مثالاً معبّراً عمّا تقدّم، خصوصاً أن الاتصال لم يستفز الصين فقط، ولكن أيضاً الساسة والمراقبين الأميركيين، إضافة إلى ما يمكن أن يشكل استخفافاً لتايوان، يعكسه تبرير ترامب عبر موقع «تويتر»، بالقول إن «من المثير للاهتمام كيف أن الولايات المتحدة تبيع تايوان معدات عسكرية بمليارات الدولارات، ولكن يجب أن لا أقبل اتصال تهنئة».
ووفقاً للعرف الدبلوماسي، تعتبر تايوان جزءاً من الصين الكبرى، وغير معترف بها كدولة مستقلة، بالرغم من أنها لا تخضع للصين من الناحية الإدارية والسياسية. ويرى البعض أن المكالمة الهاتفية بين ترامب ورئيسة تايوان تشكل خرقاً لقواعد البروتوكول، خلال المرحلة الانتقالية للسلطة في الولايات المتحدة. وقد عقّبت صحيفة «واشنطن بوست» على الأمر، بالقول إن ذلك الاتصال، كان عبارة عن حركة استفزازية متعمّدة، أسّست لقطع علاقة الرئيس المقبل مع الماضي. ونقلاً عن أشخاص على صلة بالتخطيط لهذه الخطوة، أشارت الصحيفة إلى أن «الاتصال التاريخي ــ الأول بين زعيمي الولايات المتحدة وتايوان منذ عام 1979 ــ جاء نتيجة أشهر من التحضيرات التي جرت بصمت، وللمداولات بين مستشاري ترامب بشأن الاستراتيجية الجديدة للانفتاح على تايوان».
أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فلم تنتقد الاتصال بين ترامب والزعيمة التايوانية فقط، ولكنها شجبت «تواصله مع تسعة من قادة الدول، قبل التواصل مع رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي»، الأمر الذي عدّته «شرخاً غير اعتيادي في علاقة الدولتين الخاصة، والطويلة».
وكان ترامب قد استبق كل ذلك، بخطوة أخرى اعتُبرت خارجة عن كتيّب معايير العرف الدبلوماسي الأميركي، تمثّلت بالاتصال بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي هنّأه غداة فوزه في الانتخابات الرئاسية. بنى الإعلام الأميركي، وسياسيون ديموقراطيون، الكثير على هذه الخطوة، وعلى ما سبقها من توافق بين ترامب وبوتين. حتى أن عدداً من الديموقراطيين في مجلس الشيوخ عزوا عدم القدرة على إقرار المزيد من العقوبات على موسكو إلى تأثير ترامب على الجمهوريين، الذين علّلوا السبب بتأخر الوقت وأولويات أخرى، وفق مجلة «فورين بوليسي».