مع أنها ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، هذا العام، إلا أنها المرة الأولى منذ 11 عاماً التي يزور فيها بوتين اليابان. العلاقة بين البلدين جيدة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تمكّن موسكو وطوكيو من التوصل إلى تسوية بشأن جزر الكوريل، وهو ما يستبعد أن تنتجه زيارة بوتين اليوم، التي ستتمحور حول تطوير التعاون الاقتصادي.


ووفق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فإن «روسيا تأمل في أن تعطي هذه الزيارة زخماً كبيراً لتطوير مجمل العلاقات الثنائية».
الزيارة قائمة على الرغم من امتعاض إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وفق مصادر لوكالة الأنباء اليابانية «كيودو» أكدت أن مصادر دبلوماسية أميركية قالت في تشرين الثاني إنها تخشى أن توحي زيارة بوتين بوجود تزعزع داخل «مجموعة السبع» بموقفها تجاه موسكو. لكن مصدراً حكومياً يابانياً قال إنّه رغم دور اليابان الأساسي في «مجموعة السبع»، عليها أن «تتابع ما يهمّ مصلحتها الوطنية».
وعلى هامش الزيارة التي تستمر يومين، سيوقّع حوالى ثلاثين اتفاقاً بين شركات روسية ويابانية، في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا المتطورة. ويعتبر تطوير العلاقة الاقتصادية بين البلدين أمراً مهماً بالنسبة لكليهما، مع محاولة الطرفين فصل النزاع على الجزر عن التعاون الثنائي في هذا المجال. وهذا ما ظهر في أيلول الماضي على هامش المنتدى الاقتصادي الشرقي الذي استضافته روسيا في منطقة فلاديفوستوك، حيث ناقش آبي وبوتين أهمية تطوير العلاقات الثنائية وإيجاد تسوية لنزاع جزر الكوريل، لكن مع التأكيد على أن روسيا واليابان ليستا في نزاع في الجانب الاقتصادي.
اللقاء المهم الآخر الذي جمع الرئيسين هذا العام، والذي لم ينتج أيضاً أي تطور على صعيد الجزر، كان في 5 أيار في موسكو، عوّل خلاله شينزو آبي على إعادة تحريك المفاوضات العالقة واستعادة الثقة بين البلدين، خصوصاً بعدما انضمت اليابان إلى الدول الغربية في فرض العقوبات على روسيا بعد ضمّ القرم إليها في عام 2014. لكن يبدو أن التعويل لا يزال قائماً على الجانب الاقتصادي الذي يجد فيه الروس واليابانيون مجال تعاون وتبادل مصالح مشتركة؛ من جهة، تسعى اليابان إلى تنويع إمداداتها بمواد الطاقة الأولية التي تزخر بها منطقة الشرق الأقصى الروسي، ومن جهة ثانية، يهمّ روسيا الاستفادة من اليابان على صعيد تطوير البنى الاقتصادية لتلك المنطقة.
وتسعى روسيا أيضاً إلى عقد اتفاقات مع شركات يابانية كجزء من توجه تركيزها حالياً على آسيا لفتح آفاق اقتصادية أمامها في ظل العقوبات الغربية. ووفق المتحدث باسم الكرملن، دميتري بيسكوف، فإن هناك غنى على صعد عدة في العلاقة الروسية اليابانية، «وهناك رغبة في تطوير هذه العلاقة»، من دون التركيز فقط «على مشكلة واحدة بل على الصورة ككل».

الحل بـ«اثنين زائداً ألفا»؟
النزاع على جزر الكوريل التي تمثل حالياً تحدياً لبوتين وآبي، منع البلدين حتى الآن من توقيع اتفاق سلام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ويمكن القول إن النزاع الروسي ــ الياباني على جزر الكوريل يعود إلى القرن السابع عشر، إذ يدّعي كلّ من الطرفين أنه هو من اكتشف الجزر الأربع، وبالتالي له الأحقية التاريخية بالسيادة عليها.
لكن الجزر الواقعة بين شبه جزيرة كاماشتاكا الروسية وجزيرة هوكايدو اليابانية، خاضعة للسيادة الروسية منذ عام 1945 بعد دخول الاتحاد السوفياتي إليها، بعد الاتفاق في قمة يالطا بين جوزف ستالين وونستون تشيرشل وفرانكلين روزفلت على إعطائها لروسيا. وفي عام 1951، لم يوقّع الاتحاد السوفياتي على اتفاقية سان فرانسيسكو للسلام مع اليابان، فيما لا تزال اليابان تدّعي الأحقية لها في السيادة على الجزر.
ومنذ ذلك الحين، جرت محاولتان جديتان فقط لحل النزاع وإعادة سير المفاوضات، في عام 1992، ثم في عام 2001 عندما تسلّم بوتين الحكم. أما أساس تلك المفاوضات الجدية فقد وضع في عام 1956 على أساس ما يسمى «اثنين زائداً ألفا»، شارك فيها السياسي مونيوو سوزوكي الذي أصبح مستشار آبي في ما بعد في شأن الجزر.


تحكم روسيا سيطرتها على جزر الكوريل عبر بناء قاعدة عسكرية فيها
ومنذ أن تسلم شينزو آبي السلطة في اليابان عام 2012، بدا أن هناك نية أكبر من الطرفين في التفاوض والتوصل إلى حل. وتسوية «اثنين زائداً ألفا» هي الأكثر واقعية حتى الآن، والمقصود بها أن تتنازل روسيا عن جزيرتين (الأصغر حجماً) لليابان ووضع منطقة «ألفا» تحت سلطة مشتركة بين الطرفين تكون مركز تعاون اقتصادي. ويرى سوزوكي، وكذلك الدبلوماسي الأسبق كازوهيكو توغو، أنه للتوصل إلى تسوية، على اليابان أن تكون واقعية وتدرك أن الحصول على الجزر الأربع، التي تسمى في اليابان «الأراضي الشمالية»، غير ممكن.
وتأتي الصعوبة في إيجاد حل نهائي من واقع أن جزر الكوريل تحمل قيمة استراتيجية واقتصادية بالنسبة إلى روسيا تتعدى النزاع على السيادة مع اليابان؛ فهي تقع في المحيط الهادئ عند تقاطع تتداخل فيه المصالح العسكرية لقوى كبرى أخرى هي الصين والولايات المتحدة الأميركية. وفي كلا البلدين، يوجد رفض لدى القوميين (آبي هو من الشطر القومي في اليابان) للتنازل، فيما معظم الروس لا يقبلون أبداً أن يتنازل بوتين عن سيادة أيّ جزيرة لليابان. التمسّك الروسي بالجزر الأربع يظهر في بنائها لمنظومة دفاع جوي إضافة إلى بدء بناء قاعدة بحرية لأسطول المحيط الهادئ الروسي، تأمل من خلالها روسيا تغيير التوازن العسكري هناك. القاعدة المذكورة تقع في ماتوا في سلسلة جزر الكوريل، وتشكل نافذة لروسيا على بحر أوختسوك، وتسهل إحكام السيطرة على الجزر التي يقطنها حالياً سكان روس، «لن تكون واشنطن سعيدة بها، خصوصاً مع خطة الإدارة الأميركية بالتركيز على آسيا»، وفق رئيس مركز الدراسات البيئية الاستراتيجية، إيفان كونوفالوف.
وعلى الرغم من أن شينزو آبي قد قال في تصريح، منذ يومين، إن المحادثات مع بوتين ستتم بطريقة تسمح «بحل النزاع خلال هذا الجيل»، وقول بوتين لوسائل إعلام يابانية إن هناك «عدة خيارات» بخصوص الجزر، لكن كل الظروف تدل على أن السبيل إلى تسوية نهائية لا يزال طويلاً.
(الأخبار)