مع تقدّم الوقت باتجاه دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في 20 كانون الثاني المقبل، يعمل كثيرون على ربط الخيوط ببعضها من أجل التقليل من حجم الغموض الذي يلفّ قراراته المرتقبة، وبالتالي تكوين فكرة مسبقة عمّا يمكن أن تحمله تصرفاته غير المتوقعة. الكلمات المفتاح كثيرة، وبتركيب بعضها مع بعض، يصبح من الأسهل الانطلاق في قراءة مسار ترامب. روسيا، الصين، ريكس تيلرسون... أسس ثلاثة تتفرّع منها خيوط عدّة، حاول كل من ديفيد إغناتيوس ويوري فريدمان وجون بومفريت وغيرهم ربطها، في الآونة الأخيرة.


بالنسبة إلى فريدمان في مجلة "ذي أتلانتك"، يمكن حلّ الأحجية بالعودة إلى عام 2000، عندما ترشّح ترامب للانتخابات الرئاسية عن "حزب الإصلاح"، موازياً مسعاه السياسي بمشاركته في كتابة نصّ يستند إليه في حملته الانتخابية. التفصيل الأساس تحمله عبارة "صانع الصفقات الحقيقي"، التي تتكرّر على مدار النص، مفضية إلى مفهوم واحد يقف وراء اختيار ترامب لريك تيلرسون ليكون وزيراً للخارجية، وتبريره لذلك بوصفه إياه بأنه "صانع صفقات على مستوى العالم".
وفق فريدمان، رسم ترامب سياسته الخارجية، قبل 16 عاماً، في مقطع واحد يضمر كل شيء، و"يُظهر مدى عمق التغيير في السياسة الخارجية الأميركية الذي سيطرأ تحت إدارته". حينها، شبّه سياسة بلاده، في خلال الحرب الباردة، بـ"لعبة شطرنج كبرى" بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفائها، بوجود دول أخرى كـ"مشاهدين". ويومها، كتب أنه "عندما ينتهي (دور) لاعب الشطرنج... يجب وضع السياسة الخارجية الأميركية بأيدي صانع صفقات". وأشار في هذا السياق إلى فرانكلين روزفلت، الذي فاوض للخروج من الحرب العالمية الثانية، وريتشارد نيكسون الذي بادر إلى بناء علاقات دبلوماسية مع الصينيين، وتفاوض مع الروس لخفض ترسناتهم النووية.
ولكن الأكثر دلالة على تفكير ترامب، توصيفه لشخصية "صانع الصفقات الحقيقي"، فهو الذي "يمكنه أن يُبقي العديد من الكرات في الهواء، ويوازن بين المصالح المتنافسة للدول الأخرى، وفوق كل شيء يضع دائماً مصلحة أميركا أولاً". أما الأهم، فإن "صانع الصفقات الحقيقي يعرف متى يكون عنيداً ومتى يتراجع، متى يخدع ومتى يهدد... صانع الصفقات الحقيقي ماكر سري، يحافظ على تركيزه ولا يرضى بأقل ممّا يريد".


تحدث ترامب
عام 2000 عن أهمية {صانع الصفقات الحقيقي»

ليس مفاجئاً ما وجده فريدمان، في خلال بحثه عن ترامب؛ فقبل أيام قليلة، كتب المدير السابق لمكتب صحيفة "واشنطن بوست" في الصين، جون بومفريت، مقالاً تناول فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، في التاريخ الحديث، مستنداً فيه إلى محاولات رؤساء أميركيين للّعب على وتر التناقضات بين موسكو وبكين، والاستفادة منها لإحداث خلاف بين الطرفين. وسعى الكاتب إلى التركيز على نظرية أن ترامب استوحى من هذه المحاولات، في إطار انفتاحه على الروس، واستفزازه الواضح الصينيين بتواصله مع رئيسة تايوان وتهديد سياسة "الصين الواحدة".
بومفريت انطلق من فكرة "المثلث" الذي يضم موسكو وواشنطن وبكين، موضحاً أنه ظهر منذ أيام الحرب الباردة. وبناءً على تجارب ثلاثة رؤساء، أوضح أنه في خمسينيات القرن الماضي، سعت إدارة دوايت أيزنهاور إلى بثِّ الشقاق في علاقات زعيم الاتحاد السوفياتي نيكيتا خروتشوف والزعيم الصيني ماو تسي تونغ، من طريق التقارب مع موسكو. وأيضاً، جازف الرئيس جيمي كارتر، عندما حاول وقف انتشار النفوذ السوفياتي في منطقة جنوب شرق آسيا.
إلا أن الأهم بين هذه المحاولات، كانت تلك التي قام بها ريتشارد نيكسون قبل 45 عاماً، عندما التفت إلى تغيير تشكيلة "المثلث"، مراهناً على القيام باختراق في تطوير العلاقات مع بكين. يشير بومفريت إلى أن نيكسون عقد لقاءً مع مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر، بغية بحث زيارته (نيكسون) للصين. وقال له كيسنجر، حينها، إن "الصينيين خطيرون مثل الروس، بل إنهم تاريخياً أكثر خطورة من الروس"، مضيفاً أنه بعد 20 سنة، "إذا كان الرئيس الأميركي حكيماً مثلكم، سيعتمد على الروس في سياسته ضد الصينيين".
فهل يكون ترامب ذلك "الحكيم"؟ بومفريت كان إيجابياً في مقاربته لمسعى ترامب، ولكنه خلص إلى أن رغبته في اللعب وفق قواعد "لعبة كيسنجر" في ظروف التوازن الحالي، تعني أن العالم الراهن لا يمكن التنبؤ به، إذ إن "الولايات المتحدة ليست القوة التي لا تضاهى فيه، ولا يمكن الشك بقدرتها".
مع ذلك، بعد مرور الأعوام العشرين وعشرون عاماً إضافياً، يستبشر كيسنجر خيراً بترامب. وبحسب ديفيد إغناتيوس، يرى "سيّد الغموض في الدبلوماسية الأميركية" بعض الفوائد في تصرفات الرئيس المنتخب "غير المتوقعة". "دونالد ترامب هو ظاهرة لم ترَها الدول الأجنبية"، قال كيسنجر لشبكة "سي بي آس"، مضيفاً أن لديه الفرصة ليكون "رئيساً كبيراً" لأنه يملأ "فراغاً جزئياً" تركه الرئيس باراك أوباما في السياسة الخارجية، إضافة إلى أنه "يسأل الكثير من الأسئلة غير المألوفة".
يتشارك إغناتيوس مع كيسنجر في هذه الفكرة، في مقال في صحيفة "واشنطن بوست". ويبدو بالنسبة إليه أن "أسلوب ترامب الحر قد أثار حيرة الصين، فضلاً عن أنه يتمتع بفوائد غير متوقعة". ولكن إغناتيوس يبقى أكثر حذراً في ما يتمنّاه، فهو يدرك أنه "يمكن ترامب أن يدير مصيره مع بيكين، ولكن مع الكرملين الأمر ليس بهذه السهولة". "روسيا هي البطاقة الجامحة" يقول إغناتيوس، مستخلصاً أن "تحالفاً مستقراً بين ترامب وفلاديمير بوتين... يبقى صعباً على التخيّل".




{فورين بوليسي» واشنطن تستثني موسكو من التهديدات

أفادت مجلة "فورين بوليسي" بأن روسيا استُثنيت من قائمة أولويات الإدارة الأميركية في مجال الدفاع، والتهديدات التي تحيط بالأمن القومي.
وذكرت المجلة الأميركية أنه استناداً إلى وثيقة أصدرتها وزارة الدفاع، وُضعت "الاستراتيجية الخاصة بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وتعزيز قدرات الجيش الأميركي، وتحقيق ضمان الأمن في مجال المعلومات، وزيادة فعالية عمل البنتاغون"، على سلّم أولويات الإدارة الأميركية الجديدة في مجال الدفاع. وأشارت المجلة إلى أن "هذه الوثيقة لم تذكر روسيا"، مشيرة إلى أنها دليل آخر على التغيير المقبل في سياسة واشنطن الخارجية.
وفي السياق، نقلت المجلة عن أحد المسؤولين السابقين في البنتاغون، إيفلين فاركاس، قوله إن "عدداً من الأشخاص هناك (في البنتاغون) سيشعرون بالقلق لعدم رؤيتهم روسيا على اللائحة". وذكرت المجلة أنه "على مدى سنوات، كان المسؤولون الكبار في وزارة الدفاع والمجتمع الاستخباري، يشيرون إلى روسيا على أنها التهديد الرئيسي بسبب ترسانتها النووية، وقدراتها السيبيرية المعقدة، وجيشها المتطوّر، وأيضاً رغبتها في تحدّي الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، وغيرها من المناطق".
(الأخبار)