صوّت مجلس الأمن الدولي، مساء أمس، لمصلحة مشروع قرار يدين بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وذلك بغالبية 14 دولة مقابل امتناع واشنطن عن التصويت. المشروع المقدم كان نسخة معدّلة عن المشروع المصري، الذي طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بسحبه من التصويت، بعد اتصال كل من رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، به.


مشروع القرار الذي كانت القاهرة ستقدمه، تبنته كل من نيوزيلندا وفنزويلا والسنغال وماليزيا، وشمل بنوداً تطالب بـ«وقف فوري وكامل لجميع أنشطة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية»، بالإضافة إلى «اتخاذ خطوات إيجابية من الفور تدين المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية التي لا تستند إلى أي أساس قانوني، وهي انتهاك صارخ للقانون الدولي»، مع رفض الاعتراف «بأي تغييرات في خطوط الرابع من حزيران 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس ما لم يُتفق عليها».
هذه النسخة قدمتها نيوزيلندا، أمس، إلى مجلس الأمن الذي صوّت لمصلحة القرار، وهي المرة الأولى التي لم تستخدم الولايات المتحدة فيها حق النقض (الفيتو) في مصلحة العدو، واكتفت المندوبة الأميركية بالامتناع عن التصويت لمصلحة المشروع.


بادرت 4 دول في طرح
المشروع للتصويت بعدما
سحبته القاهرة

بالتأكيد، لن يقدم القرار أو يؤخر بالنسبة إلى الإسرائيليين، فكما هو معروف، لم تلتزم حكومة العدو يوماً قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، خصوصاً إن كانت تمسّ مصالحها، ومن المتيقن أنها لم تكن لتلتزم أي قرار يتعلق بموضوع استراتيجي مثل المستوطنات. وبعد صدور القرار، عقّب مكتب بنيامين نتنياهو، بالقول في بيان، إن «إسرائيل ترفض هذا القرار المعادي لإسرائيل والمخزي من الأمم المتحدة، ولن تمتثل له»، مع الأمر بسحب السفيرين الإسرائيليين من نيوزلندا والسنغال.
وأضاف البيان، أن إدارة أوباما «ليس فقط لم تدافع عن إسرائيل ضد هذا الهوس في الأمم المتحدة، بل تعاونت معها من خلف الستار»، مشيراً إلى أن تل أبيب «تتوقع العمل مع الرئيس المنتخب، ترامب، ومع أصدقائنا في الكونغرس، من الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء، بهدف إلغاء أضرار هذا القرار السخيف». وتابع: «إسرائيل ترفض مطلقاً القرار الخسيس والمعادي لها، ولن يؤدي إلى إخضاعها»، فيما تعمّد مكتب نتنياهو استحضار المسألة السورية من زاوية إخفاق محاولات إصدار أي قرار في مجلس الأمن إزاءها، فيما «يتعاملون مع إسرائيل بصورة مخجلة».
ورغم الإدانة المعنوية التي من الممكن أن يشكلها هذا القرار، فإن الرئيس المصري عمل جهده وحاول إنقاذ تل أبيب، وهو ما رأى فيه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، أنه «يدل على العلاقات الجيدة بين إسرائيل ومصر».
في المقابل، برّرت القاهرة سحب مشروع القانون، وفق مندوبها في مجلس الأمن، بسبب «المزايدات» التي رافقت طرح المشروع. وتقول مصادر مصرية إن ترامب تعهد خلال اتصاله بالسيسي بـ«إعادة إحياء عملية السلام والتصدي بحزم لمن يعرقل هذه العملية، سواء في إسرائيل أو السلطة الفلسطينية، ودعم موقف مصر بإقامة الدولة الفلسطينية». ونقلت المصادر تأكيد ترامب أن «القاهرة سيكون لها الكلمة العليا في أي مفاوضات في خلال الفترة المقبلة، مع التأكيد أن السياسة الأميركية الجديدة ستمارس المزيد من الضغوط على الإدارة الإسرائيلية». وأضافت أنّ ترامب قدّر أن إقرار المشروع «سيزيد إصرار الحكومة (الإسرائيلية) على التوسع في الاستيطان والإسراع به، خاصة أنه سيُسهم في زيادة حدة الانتقادات لها من الداخل وسيؤثر في شعبيتها ويعطي فرصة كبيرة لمعارضي السلام وحل الدولتين بالوصول إلى السلطة بما ينهي أمل حل الدولتين لعدة سنوات مقبلة».
بعد التصويت على قرار إدانة المستوطنات، قال ترامب في تغريدة على «تويتر»، إنه «بالنسبة إلى الأمم المتحدة، فإنّ الأمور ستتغير بعد 20 كانون الثاني (المقبل)»، في إشارة إلى خفض ميزانية المنظمة الدولية، خصوصاً أن واشنطن هي المتبرع الأكبر لميزانيتها.
في خلال مكالمة السيسي ونتنياهو، وفق المصادر المصرية الرسمية، أعرب الأخير عن خشيته من تأثير «القرار سلباً على سياسة مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني بين البلدين»، مبدياً استعداده لـ«تجميد قرارات مرتبطة بتوسيع بناء المستوطنات حتى إشعار آخر بانتظار الوصول إلى تسوية». وضمن سياق التبرير المصري نفسه، أضاف مصدر في الرئاسة، في حديث إلى «الأخبار»، أنه «إذا مرّر القرار عبر دول أخرى أو لم يمرر، تكون مصر قد نجحت في مهمتها بإعادة الزخم إلى القضية داخل مجلس الأمن مع إعادة المفاوضات لمسارها بمزيد من الضغوط، خاصة أن الشهور الأخيرة شهدت جموداً بسبب توتر العلاقات الإسرائيلية ــ الأميركية».
بالعودة إلى الموقف الإسرائيلي، فقد استنفرت حكومة العدو جهازها الدبلوماسي طوال اليومين الماضيين قبل التصويت على القانون، وصبّت غضبها على الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، لأنهما «دعما مشروع قرار مشيناً ومناهضاً للاستيطان في مجلس الأمن».
وقال مسؤول إسرائيلي كبير، لم يكشف عن اسمه، إن «الرئيس أوباما والوزير كيري يقفان وراء هذه الخطوة المشينة ضد إسرائيل في الأمم المتحدة»، مضيفاً أنّ «الإدارة الأميركية أعدت بسرية مع الفلسطينيين قراراً متطرفاً مناهضاً للإسرائيليين من وراء ظهر إسرائيل سيكون داعماً للإرهاب والمقاطعات».
وتابع المسؤول الإسرائيلي: «كان بمقدور الرئيس أوباما إعلان نيته استخدام الفيتو ضد هذا القرار، لكنه بدلاً من ذلك يدفع به... هذا تخلٍّ عن إسرائيل يخالف عقوداً من السياسة الأميركية التي حمت إسرائيل في الأمم المتحدة».
وكان رئيس حزب «يوجد مستقبل» الإسرائيلي المعارض يائير لابيد، قد طلب من إدارة أوباما فرض «فيتو» على القرار «المعادي» لإسرائيل، معتبراً أن القرار «يشكل دعماً للإرهاب وللعنف، ولن يُسهم إيجاباً في المفاوضات، بل سيوقفها». وقال لابيد: «في هذا الموضوع لا يوجد في إسرائيل معارضة وحكومة، بل هناك توافق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على أن هذه الخطوة مضرة وخطرة»، مشدداً على أن لا أحد يستطيع أن يفرض على إسرائيل العمل بما يتعارض مع متطلبات الأمن القومي لها.
وبعد التصويت لمصلحة القرار، الذي يحمل رقم 2334، قالت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، سامنتا باور، إن «تجميد الاستيطان يخلق أجواءً من الثقة بين الفلسطينيين وإسرائيل»، لكنّ الاعتراضات الإسرائيلية ارتفعت جراء ذلك، فيما قال وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شطاينتس، إن الولايات المتحدة تخلت عن إسرائيل بامتناعها عن التصويت. وأضاف شطاينتس، المقرب من نتنياهو، للقناة الثانية، إن «هذا ليس قراراً ضد المستوطنات، إنه ضد إسرائيل، وضد الشعب اليهودي والدولة اليهودية»، مواصلاً: «الولايات المتحدة تخلت الليلة عن صديقها الوحيد في الشرق الأوسط».
(الأخبار)