قبل إعلان وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركيين مؤخراً أن الكرملين تدخّل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، حذّر نائب رئيس وكالة الأمن الفيدرالي في ألمانيا، في حديث مع كبار المسؤولين الأمنيين في حزيران الماضي، من أن روسيا «تتدخل في السياسة الألمانية» وتسعى إلى «التأثير على الرأي العام» في الانتخابات المحلية المرتقبة خلال العام المقبل.


كذلك، وفق تصريح سابق لرئيس جهاز المخابرات الداخلية الألماني، فإن القراصنة الروس الذين سربوا معلومات خاصة بـ«الحزب الديموقراطي» في الولايات المتحدة، قاموا أيضاً بتسريب وثائق البرلمان الألماني التي نشرها موقع «ويكيليكس» مؤخراً. وأضاف «نرى تجسساً إلكترونياً متزايداً وعمليات إلكترونية قد تعرض للخطر المسؤولين الألمان وأعضاء البرلمان والعاملين في الأحزاب الديموقراطية». ويرتبط حديث المسؤول الألماني بإعلان برلين في كانون الثاني من عام 2015، أنّ «مجموعة موالية لروسيا» اخترقت مواقع البرلمان الألماني، إضافة إلى موقع ميركل، تزامناً مع الزيارة التي قام بها إلى برلين رئيس الوزراء الأوكراني، أرسيني ياتسينيوك. وفي وقت لاحق، انتشرت أنباء عن أن مجموعة «فانسي بير» تمكنت، وفق المكتب الفيدرالي لأمن المعلومات، من الوصول إلى خوادم في البرلمان الألماني وجمع المعلومات لعدّة أشهر من دون أن يتم اكتشافها.


تجتاز أوروبا عدداً
من الاختبارات في
ظل تصاعد الخشية من الدور الروسي

وفي الفترة الماضية، استمر الحديث عن محاولات قرصنة تديرها مجموعات روسية وكذلك عن انتشار «حملات تضليل» ساهمت في زيادة شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي المناهض لسياسة الانفتاح في قضية اللاجئين والمعارض للعملة الأوروبية المشتركة والذي يطالب بعودة المارك الألماني إلى التداول مجدداً. ولا يتردد أحد زعماء هذا الحزب، ألكسندر غاولاند، في انتقاد الاتحاد الأوروبي والدفاع عن بوتين (الذي بنظره «يدافع عن المصالح القوميّة الروسيّة»)، والتشديد على «أحقيّة الموقف الروسي في أوكرانيا».

قرار للإطاحة بميركل؟

مثلما حصل في سائر أوروبا، ازدادت في ألمانيا شعبية الأحزاب المناهضة للنخب الحاكمة («حزب الاستقلال» في بريطانيا، «الجبهة الوطنية» في فرنسا، «حزب جوبيك» اليميني المتطرف في المجر، و«الفجر الذهبي» في اليونان) خلال السنوات الأخيرة في ظل تلاشي ثقة الناخبين في الحكومة وقرارات الاتحاد الأوروبي. وتزامناً مع هذا النهوض، سطع نجم موسكو كبديل لواشنطن وبروكسل، فيما أيّد البرلمان الأوروبي، الشهر الماضي، تقريراً حول البروباغاندا الروسية المعادية للاتحاد الأوروبي، معترفاً بأنها حقيقية ولا يمكن تجاهلها.
ويخشى المسؤولون الحكوميون الألمان من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبعد وصول «رجله إلى البيت الأبيض»، وضع الإطاحة بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نصب عينيه، خاصةً أن الأخيرة هي من أبرز الشخصيات الأوروبية انتقاداً للدور الروسي في أوكرانيا والشرق الأوسط ومن المشجعين على فرض العقوبات على موسكو. وميركل بدورها لم تستبعد حصول ذلك، إذ أشارت في وقت سابق من الشهر الحالي إلى أن «الهجمات الإلكترونية» و«حملة التضليل» التي تقوم بها موسكو قد تطال الانتخابات المقبلة. وهذا ما تحدّث عنه حتى «حزب الخضر» الألماني، الذي حذّر من أن «هناك خطراً حقيقياً لاحتمال تكرار التجربة المريرة للانتخابات الأميركية في ألمانيا»، بينما رأت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أنه بات «من الواضح» أن «عملية الانتخابات المقبلة لروسيا ستكون في ألمانيا»، وأن موسكو لا تسعى فقط لهزيمة ميركل، بل تريد «تشويه سمعة الديموقراطية الأوروبية، وتقويض الاتحاد الأوروبي بهدف جعل القارة عرضة أكثر للفساد والاستبداد، وإضعاف معنويات حلف شمال الأطلسي الذي يمنع روسيا من أن تستعرض عضلاتها العسكرية في محيطه». وهذا ما يجعل من انتخابات ألمانيا «اختباراً حقيقياً»، وفق الصحيفة.
على الصعيد الشعبي، ينقسم الألمان في وجهات نظرهم حول روسيا. وقد أظهر استطلاع للرأي أن 53 في المئة من المشاركين الموجودين في غرب البلاد يعتبرون روسيا تهديداً، مقارنةً بـ33 في المئة موجودين في الشرق الشيوعي سابقاً. ويقول ستيفان مايستر، من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، في حديث إلى صحيفة «بوليتيكو»، إن «الألمان باتت لديهم صورة إيجابية عن الروس الذين يقفون، في نظرهم، في وجه التيار السياسي السائد والهيمنة السياسية العالمية المتمثلة بالولايات المتحدة». ويضيف مايستر أن هذا التغيير ليس فقط نتيجة «الحملات السرية مثل الهجمات الإلكترونية، ولكن أيضاً من خلال محاولات علنية نشطة عبر وسائل الإعلام الأجنبية الروسية وشبكات التواصل الاجتماعي للتأثير على النقاش العام في البلاد».
ولعل أشهر الحملات الروسية على ألمانيا في الآونة الأخيرة كانت «قضية ليزا». و«ليزا» هو اسم مستعار لفتاة ألمانية ــ روسية تبلغ من العمر 13 عاماً، قالت الصحف الروسية إنها اختطفت واغتصبت من قبل لاجئين في ألمانيا. اتهمت موسكو برلين حينها بـ«إخفاء مشاكلها تحت البساط» وخرج الآلاف من الناس في ألمانيا إلى الشوارع احتجاجاً على ما حصل وتنديداً بـ«تستر» الحكومة على القضية، ليتبين في ما بعد أن قصة «ليزا» عارية من الصحة. وبالرغم من أن روسيا نفت بشكل قاطع أنها سعت لاستخدام قضية الاغتصاب لإثارة التوترات حول الهجرة في ألمانيا، فإن الصحف رأت أن «الثقة العامة بالمؤسسات الحكومية قد تزعزعت بالفعل» وأن المجتمع الألماني لا يتمتع بأي حصانة في وجه «التضليل» الذي قد يكون له في نهاية المطاف تأثير حقيقي على نتائج الانتخابات.

«الخطر» أوروبي

بالرغم من أن سياسة «الباب المفتوح» التي تبنتها ميركل في ما يخص ملف اللاجئين قد قللت من شعبيتها وجعلتها عرضة لانتقادات كبيرة، فإنّ المستشارة لا تزال الشخصية الأكثر تأثيراً في المجتمع الألماني، الذي من المتوقع أن يُعاد انتخابها. لكن تشير صحف غربية إلى أنه كما كان وصول ترامب «غير متوقع»، فإن هزيمة ميركل «غير المتوقعة» قد تصبح واقعاً.
لكن قبل الوصول إلى ألمانيا، سيكون على أوروبا اجتياز عدد من الاختبارات الحساسة التي ستلقي بظلالها على السياسات الأوروبية التقليدية، خاصةً بعد «بريكست» في المملكة المتحدة، وانتخاب بلغاريا ومولدافيا لرؤساء موالين لروسيا، واستفتاء إيطاليا الشهر الماضي.
وفي هولندا، بالرغم من محاكمته بتهمة «التحريض على الكراهية»، يتنافس زعيم «حزب الحرية» الشعبوي اليميني غيرت فيلدز، بقوّة في الانتخابات الهولندية التي ستقام في آذار المقبل. وفيلدز، المعادي للهجرة والإسلام، يشدد على ضرورة «استعادة السيطرة على البلاد»، وقد علّق على حدث الـ«بريكست» بأنه سيجعل من الاستفتاء الهولندي على عضوية الاتحاد الأوروبي محوراً لحملته. أما في فرنسا التي ستشهد انتخابات رئاسية في أيار، فقد رأت صحف أوروبية أن الرئيس الروسي «ربح» الانتخابات حتى قبل انعقادها عقب فوز فرنسوا فيون في الانتخابات التمهيدية لليمين، متوقعة كذلك وصول زعيمة «الجبهة الوطنية» مارين لوبان إلى الدورة النهائية للانتخابات الرئاسية. وكلا المرشحين من المعارضين لفرض العقوبات على موسكو ومن المؤيدين لعلاقة أكثر ودية مع بوتين، فيما تشير صحيفة «نيويورك تايمز»، على الجهة الأخرى للأطلسي، إلى أن فيون جزء من حركة متنامية داخل أوروبا تدفع نحو «سياسة جديدة: بدلاً من الوقوف في وجه بوتين، علينا الوقوف معه».

الولايات المتحدة تسبق غيرها

تندرج هذه القراءات والتخوفات من الدور الروسي ضمن الإطار الأوسع للعلاقات الروسية الغربية، خاصة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ووصول بوريس يلتسن إلى رأس السلطة في روسيا الاتحادية بدفع أميركي كان واضحاً.
من بين الأمثلة على ذلك الإطار الأوسع للعلاقات الروسية الغربية، ما نشرته أخيراً صحيفتا «ذي غارديان» البريطانية و«واشنطن بوست» الأميركية. ففي مقال بعنوان «الحرب الباردة لم تنتهِ»، تناولت «ذي غارديان» تاريخ التدخل الروسي في انتخابات بلدان ديموقراطية من خلال عمليات التسريب والقرصنة. وقالت الصحيفة إن التدخل الروسي في عملية الانتخابات الأميركية ليس سوى «الحلقة الأخيرة من مسلسل عالمي سيغير نظرتنا للتاريخ المعاصر، ما بعد عام 1989»، مضيفة أنه «إذا ثبت بشكل قاطع أن وكالات التجسس الروسية تلاعبت في الانتخابات الرئاسية الأميركية، فمن الجدير بالذكر أن هناك حالات سابقة أخرى ثبت فيها أن لمثل هذه التسريبات تأثيراً كبيراً». مثال على ذلك، فوز «حزب العدالة والقانون» عام 2016 في بولندا، وفوز فيكتور أوربان الساحق في المجر في عام 2010، وغيرها من الأحداث.
أما صحيفة «واشنطن بوست»، فقد نشرت مقالاً ألقت فيه الضوء على بلد آخر لديه «تاريخ طويل في قرصنة الديموقراطيات الأخرى»، هو الولايات المتحدة! أشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة «غاضبة» حيال «العملية السرية الواسعة» التي تقوم بها روسيا بهدف «تقويض شرعية الانتخابات الرئاسية الأميركية والديموقراطية الغربية بشكل عام»، لكن الحكومة الأميركية قامت بدورها بـ«التدخل في قرارات الديموقراطيات الأخرى من خلال عمليات سرية عنيفة». ووفق المقال، فإنّ «معظم الحروب السرية للولايات المتحدة كانت ضد دول ديموقراطية أخرى»، مذكّرة بالإطاحة برئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديموقراطياً محمد مصدق، ولعب دور ضمن الانقلاب في إيران في خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب تدريب وتسليح جيش «معاد للشيوعية» في عام 1954 للإطاحة بالرئيس المنتخب ديموقراطياً جاكوبو أربينز غوزمان، في غواتيمالا (ما أدّى إلى حرب أهلية عنيفة). وهذه أمثلة لا بد أن تضاف إليها أحداث وقعت في أميركا اللاتينية مثلاً (يبقى الانقلاب الدموي على سلفادور أليندي، أكثر الأمثلة حية)، وصولاً إلى التدخل غير المباشر الأخير في البرازيل الذي أطاح بالرئيسة ديلما روسيف، الذي يُثبت أنّ لواشنطن مروحة من الأدوات الفعالة القادرة على التأثير في دول أخرى.