تلاحق صفات المزاجية والعصبية والعدائية المرشح على الرئاسة الفرنسية، جان لوك ملنشون (64 عاماً)، في معظم طلعاته الإعلامية ومداخلاته، ليس آخرها ردّه على زميل له في مداخلة على قناة «فرانس 2» بقوله له: «لا تحدثني باسمي الأول». هذا على صعيد شخصيته، أما من حيث السياسة، فهو يمثل يسار اليسار ويطمح إلى خلق نواة نموذج يساري جديد في فرنسا أو ربما تكرار تجربة «بوديموس» الإسباني في بلاده.


إلا أن تاريخه الشخصي يجعل منه رجلاً سياسياً فرنسياً محترفاً، ولو أنه يحاول صناعة السياسة بطريقة عصرية ومختلفة مع كثير من النوستالجيا إلى الثورات الديموقراطية في أميركا اللاتينية، يُعينه بذلك قدرة خطابية مميزة.
ولقد بدأ ملنشون المولود في مدينة طنجة المغربية عام 1951 المشاركة في السياسة، منذ أن كان طالباً في الثانوية عام 1968، عندما شارك في التظاهرات الطلابية. خطوته الأولى تلك نمت ليتحول ملنشون التروتسكي في ما بعد إلى اشتراكي متحمّس في عهد فرنسوا ميتيران، متسلماً منذ عام 1976 بعض المناصب المحلية. واستمر صعوده السياسي في الثمانينيات ليتسلم رئاسة بلدية منطقة إيسون، ثم ليصبح حاكماً للمنطقة، قبل أن يدخل مجلس الشيوخ عام 2004 (للمرة الثانية) بعدما تسلّم لعامين وزارة التعليم المهني. ثم انتخب نائباً أوروبياً في عام 2009 ولمرة ثانية في 2014، ما يجعله ينتمي إلى صلب النخبة السياسية الفرنسية.
قطيعته الفعلية مع «الحزب الاشتراكي»، بعدما كان «ميتيرانياً» وفياً، بدأت في عام 2005 عندما وقف في التيار المعاكس لزملائه الاشتراكيين في المعسكر الرافض للدستور الأوروبي في خلال الاستفتاء عليه. القطيعة النهائية وقعت عام 2008، عندما قرر الانفصال وتأسيس «حزب اليسار» الذي يرأسه الآن.
حالياً، ملنشون مرشح لرئاسة الجمهورية من خارج الانتخابات التمهيدية لليسار التي يرفض المشاركة فيها لأنه يرى أنها انتخابات تمهيدية للحزب الاشتراكي الذي لم يعد من ضمن أعضائه. يحاول تقديم نفسه ممثلاً لليسار الحقيقي، مع الإشارة إلى أنه مدعوم من الشيوعيين، في وجه المرشح اليميني فرنسوا فيون الذي يمثل اليمين التقليدي. ورغم تمايز مواقفه، فإنه مثابر في نشاطه الانتخابي، فيتنقل بين المناطق الفرنسية في الكاريبي، وبين مدريد ليدعم «بوديموس» ويظهر مع رئيسه بابلو إيغليسياس في برنامج على موقع «يوتيوب» يحاوره به الأخير باللغة الإسبانية، ثم يلقي في إحدى ساحات باريس يوم وفاة كاسترو، وخلفه العلم الكوبي وصورة فيدل وعازف غيتار، متحدثاً عن كوبا وعن الثورة الكوبية بتقدير.


يرى أن المفوضية الأوروبية تسبب
المشاكل الاقتصادية للدول الأعضاء

علاقة ملنشون المتوترة بالإعلام الفرنسي الذي غالباً ما ينتقد تصريحاته، دفعته إلى تقديم آرائه بشكل فردي عبر قناته على «يوتيوب». وفي كل نشرة أسبوعية، يذكّر ملنشون بأهمية هذا المنبر وبالأرقام التي وصلت إليها قناته مع نحو 140 ألف مشترك حتى الآن، والتأكيد أنها «حدث سياسي» لكونها باباً إعلامياً مختلفاً يستطيع من خلاله التعبير عن أفكاره، أو حتى أحياناً تبرير بعض مواقفه.

ديكتاتورية أوروبا

فيما يرى ملنشون أن برنامج منافسه فرنسوا فيون يمثّل «انقلاباً اجتماعياً»، فإنه يريد العمل على إحداث تغيير ديموقراطي يتحدث عنه في كتاب «المستقبل معاً» الذي صدر نهاية تشرين الثاني. يمثل الكتاب برنامجاً انتخابياً أسهم به الاقتصادي الفرنسي، جاك جينيرو، ويتضمن الكثير من الأفكار التي يطرحها الأخير في كتابه «لا ديكونومي».
يرتكز البرنامج على طموح تأسيس «جمهورية سادسة»، عبر إنشاء هيئة تأسيسية لتعديل الدستور. وعن هذا، يقول جاك جينيرو في مقابلة إن ملنشون هو الوحيد «بين كل القادة السياسيين الأوروبيين، الذي يدعو إلى تغيير ديموقراطي». وهذا يحصل وفق جينيرو «في ظل استفادة الشعبويين القوميين المعادين للأجانب من الاحتجاج الشعبي والشرعي، أكثر من اليسار التقدمي الذي يقترح إعادة صياغة فعالة للديموقراطية والاقتصاد الإنساني».
وكما يرفض ملنشون توصيفه «بالشعبوي» ومقارنته بمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، يقول جينيرو إن هذا اليسار لا يستفيد مثل اليمين المتطرف من عامل الخوف المتنامي، بل يسعى إلى الإقناع بالمنطق، لأن «كل الناخبين قادرون على الفهم الأعمق لإعطاء فرصة للتغيير الديموقراطي نحو نظام اقتصادي وسياسي جديد. لهم هم الاختيار. وإن لم يتحقق ذلك عبر الاقتراع، فعلينا انتظار الكوارث الكبرى التي يمكن أن تدفع نحو النهضة. أنا أفضّل التغيير الديموقراطي».
هذا التغيير الديموقراطي يتضمن إعادة تحديد الواجبات والقواعد وتحديثها مع الإبقاء على الأسس مثل الحقوق الأساسية، ومع إعطاء أهمية للتخطيط البيئي الذي سيخلق وظائف جديدة، إذ إن النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي سبّب دمار البيئة. ووفق جينيرو، فإن «نظام الرأسمالية ليس فقط غير فعال، بل هو مجرم، يقتل الناس في عملهم، يدمر الكوكب، يلوث الهواء والغذاء بمواد سرطانية». ولهذا، يرى جينيرو أن «سياساتنا الاقتصادية» تزيد من تعقيد الأزمات وهي، بالمعنى الدقيق للكلمة، «منافية للعقل، لا معنى لها وكارثية».
هكذا، يمثل برنامج ملنشون «مصلحة إنسانية عامة» كما يقول. وفي إحدى نشراته الأسبوعية، ربط بين المشكلة المناخية والمحطات النووية التي يدعو إلى إيقافها عن العمل كلياً واللجوء إلى الطاقة المتجددة مئة في المئة.
وإضافة إلى رفضه كل الاتفاقات العابرة للأطلسي ودعوته إلى الخروج من «حلف شمال الأطلسي»، يرى أن المفوضية الأوروبية تسبب المشاكل الاقتصادية للدول الأعضاء عبر فرض سياساتها ثم فرضها لآليات للخروج من تلك الأزمات التي سببتها، واصفاً المفوضية بـ«ديكتاتورية خالصة». ووفق ملنشون، فإن أوروبا أيضاً تقوم «بانقلابات على دول» مثلما فعلت في اليونان، وإن أوروبا شهدت ثلاثة استفتاءات (اليونان، إيطاليا، بريطانيا) تبيّن من خلالها أن «الشعب لا يوافق على ما تقوم به أوروبا». ويرى أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية أيضاً هي مثل استفتاء على أوروبا، مؤكداً أنه إذا ما انتخب هو «فسنخرج من الاتفاقات الأوروبية».

لعدم تقطيع أوصال سوريا

يخرج ملنشون عن المعتاد أيضاً بموقفه من الحرب السورية. في أحد تصريحاته منذ نحو شهرين، أثار الكثير من الغضب الإعلامي بقوله إنه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنه يريد القضاء على «داعش».
أخيراً، لم يتراجع ملنشون عن رأيه المغاير لآراء زملائه السابقين في الحزب الاشتراكي ومعظم السياسيين، فقد تجرأ على انتقاد التدخل العسكري الخارجي لبلاده وموقفها من سوريا. في آخر نشرة أسبوعية له، انتقد وصف منافسيه والإعلام له بأنه مع التدمير، موضحاً رأيه من معركة حلب بالقول إن «الضحية الأولى للحرب هي الحقيقة». وأبدى استغرابه من انتقائية منتقديه الذين «يستنكرون قصف حلب ويصمتون عن قصف الموصل... كذلك في اليمن، من جهتي كل هذا القصف يحزنني».
نظرته إلى الحرب في سوريا وما «يحصل في الموصل وفي حلب وفي اليمن وعلى الحدود التركية»، أنها «مخطط واحد (أدّى) إلى تضارب قوى إقليمية تريد تقاسم النفوذ وأخذ قطعة من الأرض السورية أو تريد ضمان المرور إلى موارد الطاقة وخطوط الغاز والنفط ولا شيء غير هذا. هذه ليست حرباً دينية، بل حرب مصالح، وبنظري، إن كل من يحاولون تشويه صورة تلك المنطقة، لا يقومون بخدمة لأحد حتى لأنفسهم، لأن التاريخ سيظهر كم كانوا كاذبين». واستعاد ملنشون التضليل الإعلامي الذي حصل قبل حرب العراق، قائلاً إن ما يحصل اليوم يذكر بتلك «المرحلة التي كنا فيها محاطين بشهادات كان يراد منها إقناعنا بوجود أسلحة دمار شامل في العراق... قبل أن نلحظ أن من يخبرنا ذلك هي ابنة سفير السعودية، وأن ما تخبره لم يحصل قَطّ».
يكمل قائلاً إن «القصف في حلب... هو مواجهة بين جيشين وليس مواجهة بين جيش ومدنيين. وما نصفه بأنهم ثوار هم في الواقع مقاتلون في جيش إسلامي، يستهدف بدوره حلب الغربية كل يوم، حيث منطقة سيطرة الحكومة. أنا أقول هذا فقط لأبين الحقيقة، وأقول ما يجب أن تكون عليه وجهة نظرنا كفرنسيين، وما يصب في مصلحة فرنسا».
وبالنسبة إلى ملنشون، فإن الحل لما يحصل في الشرق الأوسط ومن أجل الوصول إلى «السلام» الذي هو في مصلحة فرنسا، تأسيس تحالف عالمي ضد «داعش»، «هذا إذا ما كنا صادقين فعلاً في رغبتنا بمحاربة داعش». ولا يفرق ملنشون بين «داعش» والفصائل الأخرى «من نفس النوع»، خصوصاً «جيوش القاعدة الموجودة في شرق حلب، المسؤولة مباشرة عن عمليات القتل والموت التي حصلت هنا في فرنسا». وبرأيه، إن التحالف العالمي الجدي ينجح عندما يجمع كل من شاركوا في هذه الحرب على طاولة واحدة، وهذا يعني أولاً، «عدم تقطيع أوصال سوريا، أولاً مسألة الجولان الذي لا يجب طرح احتمال فصله عن سوريا، ولا المناطق المحاذية لتركيا لوضعها تحت السيطرة التركية، الأمر عينه في العراق، لا يجب أن تطرح مسألة وضع كردستان تحت السيطرة التركية».
لكن المفارقة هنا أن ملنشون يميز بين تدخل «حلف شمال الأطلسي» العسكري وتدخل الأمم المتحدة، وقد أوضح ذلك بدعمه للتدخل العسكري في ليبيا عام 2011 في عهد الرئيس اليميني نيكولا ساركوزي، متحدثاً حينها عن ضرورة «ردع المستبد (معمر القذافي) لكي لا يردع الحركة الثورية». ورأى أيضاً أن سياسة ساركوزي تجاه ليبيا تتوافق مع المصلحة الفرنسية التي تستدعي ارتباط فرنسا بالعالم المغربي، ولا مستقبل لهذا الارتباط إذا عارضت فرنسا «الشعور الطاغي عند الشعوب، أي الحرية والتخلص من الاستبداد»، وفق ما قال في مقابلة مع صحيفة «لبيراسيون» في آذار 2011.