حاولت تركيا، منذ عقود، أن تكون جزءاً من «الديموقراطيات الغربية» بسعيها إلى دخول الاتحاد الأوروبي، غير أنها في الآونة الأخيرة، فقدت اهتمامها في الحفاظ على رابط سياسي مع الأوروبيين. أنقرة التي استعر غضبها منذ عام من شركائها الأوروبيين لردّ فعلهم البارد تجاه محاولة الانقلاب الفاشلة، قد تنتظر الآن فقط أن يوصل استفزازها لأوروبا إلى نتيجة نهائية واضحة، حسم قبولها أو رفضها في الاتحاد الأوروبي.


وخلال هذا العام، لم تلتزم أوروبا الصمت في وجه تصرفات حكومة «العدالة والتنمية» ضد معارضيها لجهة مخالفاتها «معايير» أوروبا الديموقراطية، فيما عمدت إلى التهدئة أحياناً أخرى.
واعترضت كذلك على استفتاء 16 نيسان الذي منح الرئاسة التركية صلاحيات واسعة، سبقته توترات دبلوماسية بين أنقرة وبرلين، لن يكون آخرها على الأرجح ما حصل في اليومين الأخيرين، أي استدعاء برلين السفير التركي بعدما سجنت تركيا ناشطاً حقوقياً ألمانياً إلى جانب ستة آخرين من «منظمة العفو الدولية»، موجهة إليهم تهمة «ارتكاب جريمة باسم منظمة إرهابية من دون أن يكونوا م صنتمين إليها».


أردوغان: تركيا لا
ترى أن الاتحاد
الأوروبي ضروري لها

وهذه المرة، أرادت ألمانيا أن تبيّن جدية الأمر بالنسبة إليها، فلوّحت بوقف المساعدات الأوروبية لتركيا، مع تحذير ستيفن شيبرت، المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بأن تركيا لا يمكن أن تتوقع أي تقدم في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، المتوقفة أصلاً. من جهتها، عبّرت الخارجية التركية عن استيائها من تصرف ألمانيا الذي اعتبرته تدخلاً مباشراً في القضاء التركي، مكرّرة اتهام ألمانيا «بازدواجية معايير تعاملها مع القانون».
ولا تعني هذه الأزمة الأخيرة أن الطرفين، لأسباب تتعلق بمصالحهما بالدرجة الأولى، سيغلقان كل الأبواب نهائياً، غير أنها مؤشر واضح على أن إطار العلاقة بين أنقرة وبروكسل يجب أن يتغيّر، وأن الجمود السياسي يجب أن ينتقل إلى تعاون في أطر أكثر دينامية.
في الواقع، إن الاستياء متبادل بين الطرفين، لكن بالنسبة إلى أنقرة، لا يتعلق الأمر فقط بالرابط الثنائي مع الأوروبيين الذين جعلوا تركيا تنتظر لعقود، بل بأوضاع تركيا الداخلية أيضاً. وقد خضعت الجمهورية التركية، منذ تأسيسها عام 1923، لتغييرات داخلية كثيرة، ترتبط بنظرة من يتسلم الحكم إلى الهوية التركية وبالتالي أولوياتها في السياسة الخارجية. والهوية الجديدة التي بدأت تظهر في العامين الأخيرين لحكم «حزب العدالة والتنمية» تبيّن أن تركيا ربما لم تعد تريد أن تكون أوروبية، بل تريد أن تكون نداً لأوروبا وأن تدخل الاتحاد كدولة قوية ذات هوية مستقلة، لا أن تذوب في هوية أوروبية لا تشبهها.
وهذا ما يمكن فهمه من كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كتب قبل أسبوع في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية في الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب أن «ازدواجيتهم ونفاقهم (الأوروبيين) أزعجا بعمق الشعب التركي الذي خاطر بكل شيء للدفاع عن حريته». وبالنسبة إلى تركيا، الغرب دعم محاولة الانقلاب، ودليلها على ذلك هو رفض الولايات المتحدة حتى اللحظة تسليم فتح الله غولن المتهم بتدبيره، ورفض بعض الحكومات الأوروبية ترحيل من تقول أنقرة إنهم من أتباع غولن عن أراضيها.
وفي خطاباته وحواراته، يعتمد أردوغان نبرة قومية، ويظهر وكأنه لم يعد يأبه لما تظنه أوروبا عن حكمه وبلاده. في مقابلة مع «فرانس 24»، قبل أسبوعين، قال الرئيس التركي إنه لم يندم على مقارنة النظام الألماني الحالي بأيام النظام النازي. وتابع أن أوروبا لم تكن عادلة في انتقادها لـ«أمته» ورفض الادعاءات التي تقول إنه يستخدم محاولة الانقلاب الفاشلة لمطاردة معارضيه.
وفي مقابلة مع «بي بي سي» قبل أسبوع، قال أردوغان إن تركيا لا ترى الاتحاد الأوروبي ضرورياً بالنسبة إليها، وذلك تعليقاً على تقرير البرلمان الأوروبي السنوي الذي اقترح تعليق محادثات دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
كل هذا يشير إلى أن الحديث من جديد عن إعادة الحياة إلى مفاوضات عضوية أنقرة في الاتحاد الأوروبي هو بمثابة الدوران في حلقة مفرغة. وهذا ما لحظه الباحث التركي، سنان أولغن، في مقال قبل شهر في صحيفة «فايننشال تايمز»، إذ قال إنه «لسنوات، كنت أعتقد أن على تركيا أن تدخل الاتحاد الأوروبي لتثبت وجودها بين الديموقراطيات الغربية. أما الآن، فقد حان الوقت لتقبل أن هذا الطريق قد بات مسدوداً».
ومع وصفه تلك النهاية المتوقعة بالتراجيديا، رأى أن مسؤولية هذا «الإخفاق التاريخي» هي مسؤولية مشتركة. وفيما بدا عام 2005، عام بدء مفاوضات الدخول الذي حظي بقبول 74 في المئة من الأتراك، وكأنه بداية لإثبات أن «الإسلام والديموقراطية والحداثة يمكن أن تتعايش»، فإن سلسلة من الأحداث بينت أن دخول الاتحاد الأوروبي بات أمراً غير واقعي بالنسبة إلى تركيا.
وعزز فقدان الأمل هذا موقف بعض الحكومات الأوروبية من دخول تركيا إلى الاتحاد، خصوصاً فرنسا في عهد نيكولا ساركوزي. ويعتبر بعض المحافظين الأوروبيين أن تركيا لا يمكن أن تندمج في أوروبا، لأسباب تاريخية وثقافية.
وبهذا، فإن توقعات تركيا من الأوروبيين خضعت لتغييرات جذرية، ما يجعل الحل الوحيد هو تغيير الأهداف وإطار العلاقة، إذ يمكن الطرفين أن يطورا علاقتهما الثنائية في المستويات التي نجحت فيها، مثل تطوير قواعد الاتحاد الجمركي بينهما. والواقع أنه خلال الخمسين عاماً الماضية، لم تعرف العلاقة الأوروبية التركية مستوى واحداً، لكن مع ذلك، تحولت أنقرة بالنسبة إلى الأوروبيين إلى شريك استراتيجي على مستويات مختلفة، من الدفاع والأمن إلى التبادل التجاري والاستثمارات، وحتى على المستوى الثقافي والتعليمي، إضافة إلى اتفاق وقف تدفق المهاجرين الذي لا تستطيع أوروبا في الوقت الحالي التخلي عنه.
وفيما تعيش أوروبا نفسها مرحلة طرح تساؤلات عن مستقبلها ووضع أطر جديدة لمؤسساتها، ينتظر أن لا تقف الأمور عند مناوشات دبلوماسية، بل إلى حسم نهائي لن يحصل قبل الانتخابات العامة الألمانية في أيلول المقبل.