مثل عاملون في صحيفة «جمهورييت» التركية المعارضة أمام المحكمة، أمس، بتهمة «دعم جماعة إرهابية»، في قضية تنظر إليها المعارضة على أنها علامة جديدة على التضييق على حرية التعبير، وذلك على وقع خلاف بين أنقرة وبرلين على خلفية اعتقال تركيا لناشط ألماني.


ورفض العديد من الصحافيين الاتهام الموجه بحقهم، بعدما قضوا أشهراً عدّة خلف القضبان، مع العلم أنه يحاكم في المجموع 17 صحافياً ومسؤولاً ومتعاوناً يعمل أو عمل سابقاً مع الصحيفة المعروفة بانتقادها الشديد لنظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
واعتقل المشتبه فيهم منذ تشرين الأول العام الماضي، بموجب حالة الطوارئ التي فُرضَت بعد محاولة الانقلاب على نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، وفي حال إدانتهم، فقد يواجه المتهمون السجن لمدد قد تصل إلى 43 عاماً.
وبدأت المحاكمة بتلاوة أسماء المتهمين وسط تصفيق حشد حضر الجلسة لدعمهم.
ووفق لائحة الاتهام، فإن هؤلاء متهمون بمساعدة واحدة أو عدة «منظمات إرهابية»، في إشارة إلى «حزب العمال الكردستاني» ومجموعة يسارية متشددة، وحركة الداعية فتح الله غولن التي تتهمها السلطات التركية بتدبير محاولة الانقلاب.
وقال أحد المتهمين، وهو صاحب الصحيفة، أكين أتالاي، أمام المحكمة إن «جمهورييت لا تخاف ولن تستسلم»، مضيفاً أن «الاستقلالية والحرية هما روح هذه الصحيفة». وبين المتهمين، أصحاب أقلام شهيرة على غرار الكاتب قدري غورسيل، والصحافي أحمد شيك، ورسام الكاريكاتور موسى كارت، إضافة إلى رئيس تحريرها مراد صابونجو.
وخلال الجلسة، رفض غورسيل اتهامه بأن يكون على صلة بحركة غولن، لمجرّد تلقيه رسائل قصيرة أو اتصالات من أنصار للداعية. وتابع أنه «إذا كان مسؤولو الادعاء غير قادرين على رؤية الرسائل القصيرة التي بقيت من دون جواب والاتصالات التي جرت مرة واحدة، فإنهم يستخدمون سلطاتهم بنيّات سيئة».
وقبل بدء الجلسة، قال متهم مثل حراً أمام المحكمة، وهو كاتب الافتتاحيات أيدين أنجين، إن «هذه المحاكمة اختبار لتركيا»، مضيفاً أنّ «رجب طيب أردوغان يقول إن القضاء محايد في تركيا، سنرى».
وشملت المحاكمة أيضاً، رئيس تحرير الصحيفة السابق، جان دوندار، الذي فرّ إلى ألمانيا، وقد حكم عليه غيابياً بالسجن خمسة أعوام وعشرة أشهر على خلفية تقرير في الصفحة الأولى يتهم الحكومة التركية بإرسال أسلحة إلى سوريا.
وتزامناً مع المحاكمة، تجمّع عدد من الحقوقيين والصحافيين والناشطين أمام المحكمة تضامناً مع المتهمين، فيما وقفت مجموعة أخرى أمام مبنى صحيفة «جمهورييت»، ومن ثم توجهت سيراً على الأقدام نحو المحكمة. وينظر إلى المحاكمة على أنها اختبار لحرية الصحافة في تركيا التي حلت في المرتبة الـ155 في آخر مؤشر لمنظمة «مراسلون بلا حدود» المتعلق بحرية الصحافة في العالم.
والشهر الماضي، أفادت مجموعة العمل حول الاعتقال التعسفي التابعة للأمم المتحدة بأن اعتقال موظفي الصحيفة كان تعسفياً، داعية إلى الإفراج الفوري عنهم ومنحهم حق الحصول على تعويض. ورأت المجموعة الأممية أن سجنهم «ناتج من ممارستهم لحقوقهم وحرياتهم»، معربة عن قلقها بشأن «ضبابية» الاتهامات الموجهة إليهم المتعلقة بدعم مجموعات إرهابية.
من جهته، رأى رئيس منظمة «مراسلون بلا حدود»، بيار هاسكي، أن المحاكمة في إسطنبول «تختصر كل ما يجري في تركيا التي باتت أكبر سجن للصحافيين في العالم».


اعتبر كاتب الافتتاحيات في جمهورييت أنّ المحاكمة اختبار لتركيا

وتتزامن الجلسة مع تصاعد خلاف مع ألمانيا بسبب اعتقال تركيا لعشرة حقوقيين، بينهم ألماني ضمن حملة أمنية منذ محاولة الانقلاب الفاشل العام الماضي.
وبعد أيام من التصعيد، قال متحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية، أمس، إن تركيا سحبت رسمياً طلب مساعدة من ألمانيا في التحقيق في أمر نحو 700 شركة ألمانية يشتبه في أنها تدعم الإرهاب، لتزيل مصدراً كبيراً للإزعاج في العلاقات المتوترة بين البلدين.
في الوقت ذاته، أعلن المفوض الأوروبي المكلف العلاقات مع دول الجوار، يوهانس هان، أمس، أن التوتر الجديد بين تركيا وألمانيا يضر بالمصالح الاقتصادية لأنقرة. وعبّر هان الذي سيشارك، اليوم، مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني في لقاء في بروكسل مع الوزيرين التركيين للخارجية والشؤون الأوروبية، عن اعتقاده أن «على تركيا أن تدرك أسباب كل ذلك، وأن تعالج الأمر». ويندرج الاجتماع في إطار «الحوار السياسي» بين أنقرة وبرلين.
وتابع هان قائلاً إنه «يجب ألّا ننسى وقع مثل هذا النقاش على تركيا»، فيما تدرس ألمانيا اتخاذ تدابير اقتصادية ضد تركيا تشمل إعادة النظر في الضمانات والقروض والمساعدات المخصصة لتركيا. وقال المفوض الأوروبي إن «هذا يضر بشكل من الأشكال بالمجتمع التركي والاقتصاد التركي».
وبشأن احتمال تعليق الأموال التي يدفعها الأوروبيون لتركيا في إطار عملية انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي، قال هان إنه «جرى اعتماد» هذه المساعدات، مضيفاً أنه «لديّ هامش مناورة، لكنّ قراراً مبدئياً اتُّخذ بعدم وقف مفاوضات» الانضمام. وأضاف أنه «ما دام هذا القرار المبدئي لم يتخذ، فإن دفع هذه الأموال سيتواصل».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)