كما كان متوقعاً، غادر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، منطقة الخليج، دون إحراز أي تقدم في مسار حلحلة الأزمة. إخفاق بدا واضحاً أن زيارة أردوغان ستؤول إليه حتى قبيل بدئها؛ لكون الرجل يُعدّ طرفاً في الخلاف، لا وسيطاً أو محايداً، ولكون جولته جاءت في وقت تَعزّز فيه موقف الدوحة بانتقاله من مربع الدفاع إلى مربع الهجوم. ومع فشل الجهود الإقليمية والدولية المتعاقبة، تتجه الأنظار إلى موسكو التي أبدت استعدادها للدخول وسيطاً، دون وجود مؤشرات إلى إمكان حدوث انفراجة في أفق الخلاف قريباً.


وغادر أردوغان، مساء أمس، الدوحة، بعدما أجرى، ظهراً، مباحثات مع أمير قطر، تميم بن حمد، تناولت، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية، «الأزمة في الخليج، والجهود المبذولة لحلها من خلال الحوار والسبل السلمية». وأشارت الوكالة إلى أن الجانبين أشادا بـ«جهود الوساطة التي تقوم بها دولة الكويت»، مضيفة أن المحادثات تناولت أيضاً «جهود البلدين المشتركة لمكافحة الإرهاب والتطرف... بكل أشكاله ومصادر تمويله».
وكان أردوغان قد وصل إلى قطر، آخر محطات جولته، آتياً من الكويت التي التقى الأحد أميرها، صباح الأحمد الصباح. وجاءت زيارته الكويت بعد اختتامه زيارة لمدينة جدة السعودية، حيث التقى الملك سلمان بن عبد العزيز، ونجله محمد بن سلمان، دون الإدلاء بأي تصريح، ما أعطى مؤشراً إضافياً على سوداوية الأجواء التي صاحبت الزيارتين.


أبدى سيرغي
لافروف استعداد
بلاده للتوسط إذا
طُلب منها ذلك
لكن الرئيس التركي عاد وعلّق على جولته الخليجية من مطار أسن بوغا في العاصمة التركية أنقرة، معتبراً إياها «بمثابة خطوة مهمة في إعادة بناء الثقة بين أطراف الأزمة»، لافتاً إلى «(أننا) أجرينا مشاورات بشأن ما يمكننا فعله لحل الأزمة». وجدد إشادته بـ«الموقف الإيجابي الذي اتخذته قطر في الآونة الأخيرة»، نافياً أن تكون مباحثاته في السعودية والكويت قد تناولت مسألة القاعدة العسكرية التركية في الدوحة، مضيفاً: «(إننا) ناقشناها في قطر، وهذا أمر طبيعي».
وفي موازاة «الاستعراض» التركي (اصطحب أردوغان معه عدداً كبيراً من المسؤولين، بينهم رئيس أركان الجيش ورئيس الاستخبارات) الذي ظهر أشبه ما يكون برسالة مضمّنة إلى السعودية، مفادها أن لأنقرة حضورها الذي لا يمكن شطبه بسهولة، وأن للدوحة حلفاء ثابتين على دعمها، برز، أمس، تصريح لافت لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أبدى فيه استعداد بلاده للتوسط بين قطر ورباعي المقاطعة «إذا طُلب منها ذلك».
وأكد لافروف في حديث تلفزيوني، قائلاً: «(إننا) حرصاء على تسوية تلك الأزمة... واضعين نصب أعيننا المخاوف المشتركة وإيجاد حلول مقبولة من جميع الأطراف». وتابع: «(إننا) نؤيد جهود الوساطة التي يجريها أمير الكويت... إذا اعتقدت جميع الأطراف أنه يمكن روسيا، في إطار تلك الجهود أو إضافة إليها، أن تقوم أيضاً بشيء مفيد فسنكون على استعداد للاستجابة لتلك الطلبات». وفي غضون ذلك، أُعلن عن اتصال هاتفي أجراه لافروف بنظيره القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، جدد فيه الأخير موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة عبر «حوار مبني على أسس احترام القانون الدولي وسيادة دولة قطر».
واتخذت روسيا، منذ بداية الأزمة، موقفاً محايداً أقرب إلى «التعاطف مع قطر»؛ إذ شددت مراراً على الحاجة إلى الحوار المباشر لـ«تجاوز الخلافات وتطبيع الوضع»، مشيرة إلى أن «النزاع سيؤثر سلباً في الشرق الأوسط». موقف لاقى ردود فعل إيجابية لدى الدوحة، التي أبدت حرصاً متشدداً على نفي تورط موسكو في «اختراق» حسابات وكالة الأنباء القطرية، مشيرة إلى أنّ أحاديث كهذه «مزاعم لا أساس لها». وإزاء هذا التموضع الروسي، تُطرح أسئلة عن مدى قدرة موسكو على التقريب بين طرفي النزاع، خصوصاً أن الجانبين السعودي والإماراتي لا يزالان يبديان تشدداً حتى اللحظة. كذلك، فإن الدور الروسي المحتمل قد يواجه عرقلة غربية، في ظل الشكوك الرائجة لدى الأوساط الأميركية والأوروبية بأن روسيا قد تعمل على استغلال الأزمة لمصلحتها، ولا سيما إذا بلغ الخلاف مجلس الأمن.
وفي قبالة الأجواء السلبية التي خيمت على الخليج تزامناً وزيارة أردوغان، أطلق مسؤولون أوروبيون إشارات «تفاؤلية» بإمكانية انطلاق مسار الحل، إلا أن مواقفهم بدت أقرب إلى تجديد المساندة لقطر، مع إبداء التمنيات بتأسيس التسوية على «مواقفها الإيجابية» الأخيرة. ورحبت الخارجية الفرنسية بدعوة أمير قطر إلى الحوار، واصفة إياها بأنها «تطور واعد». وقالت إنها رأت مواقف من طرفي الأزمة تحمل «إشارات إيجابية». من جهته، أمل وزير الخارجية الإيطالي، أنجلينو ألفانو، فتح الحدود البرية بين قطر والسعودية كـ«بادرة حسن نية»، داعياً إلى «حوار صادق».