يدور سباق محتدم راهناً بين مدن أوروبية عدة لوراثة العاصمة البريطانية لندن لناحية اجتذاب القطاع المصرفي الذي سيخرج منها بسبب «البريكست». وتأتي تباعاً في طليعة هذا السباق، مدينة فرانكفورت الألمانية، والعاصمة الفرنسية باريس.

ويُرجّح أن تفقد لندن آلاف الوظائف مع خطط المصارف وغيرها من الشركات المالية لنقل عدد من عملياتها وموظفيها من العاصمة البريطانية والمتخصصين في الشركات والأعمال الأوروبية قبل موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 2019.

وفي السياق، تنقل وكالة «فرانس برس» عن نيكولاس فيرون من «معهد بروغيل» في بروكسل و«معهد بيترسون» للاقتصاد الدولي في واشنطن، أنّه «في الموجة الأولى من انتقال القطاع المصرفي، تأتي فرانكفورت قبل باريس التي لم تحرز تقدماً يُعتدُّ به».
ووفق تقرير لوكالة «فرانس برس»، أبدى العديد من كبرى المصارف الدولية اهتماماً بـ«ماينهاتن»، وهو اللقب الذي يُطلق على منطقة المال في فرانكفورت التي تضم البنك المركزي الأوروبي ولا تبعد كثيراً عن نهر ماين الذي يخترقها. وبين هذه البنوك والمؤسسات المالية «مورغان ستانلي»، و«سيتي غروب»، و«غولدمان ساكس»، ومجموعة «سوميتومو ميتسوي» المالية، وشركة «دايوا سيكيورتيز ونومورا»، إضافة إلى مصرف «ستاندرد تشارترد» البريطاني.
ويرى مصرفيٌّ فرنسي طلب عدم كشف هويته للوكالة، أنّ «بعض المصارف الدولية لديها فروع في فرانكفورت، (وبالتالي) من الأسهل بكثير استخدام هذه الفروع كقاعدة بدلاً من بناء قاعدة جديدة في منطقة غير معروفة لهذه البنوك».


يرى خبير ألماني
أنّ ماكرون الذي
يُشجّع الأعمال
وصل متأخراً

لكن في منطق الأسواق المالية والأعمال، لعلّ السبب الرئيسي وراء تقدّم المدينة الألمانية على منافستها الفرنسية أنّ «باريس تعاني من نقاط سلبية لا علاقة لها بالقطاع المصرفي، ومنها على سبيل المثال قوانين العمل»، وفق ما يرى نيكولاس فلوريه من «شركة ديلويت». ويشرح فلوريه أيضاً أنّ «المصارف تحتاج إلى الاستقرار السياسي، في وقت زادت فيه انتخابات الرئاسة الفرنسية (الأخيرة) المخاوف»، ما أدى إلى أنّ «المقارنات في هذا المجال لم تكن في مصلحة فرنسا».
من جهة أخرى، يرى نيكولاس فيرون أنّ «باريس لم تكن على الرادار حتى نهاية الدورة الانتخابية هذا العام» في شهري أيار (الانتخابات الرئاسية) وحزيران (الانتخابات التشريعية). ويضيف: «تجري حالياً تغيرات هيكلية مع الحكومة الجديدة، لكنّها لم تحدث إلا أخيراً وتحتاج إلى وقت لتنال صدقية».
برغم ذلك، فإنّ أحد خبراء المال الألمان يقول لـ«فرانس برس» إنّ الرئيس الفرنسي الجديد الذي يُشجّع الأعمال، وصل إلى المشهد متأخراً جداً، بحيث لا يمكنه تغيير الآراء في «السلبيات» التي تعاني منها البلاد. ويشير إلى أنه برغم وصول ماكرون إلى الرئاسة، «إلا أنّ هذا التغيير أتى متأخراً جداً بالنسبة إلى العديد من المصارف التي اتخذت قراراتها فعلاً».
أجواء ما يبدو أنه «تشاؤم باريسي»، يقابلها إعراب مجموعة «باريس يوروبليس» التي تعمل لجذب مصارف لندن إلى باريس، عن عدم قلقها من الإعلانات الأخيرة التي تحبذ فرانكفورت. ويرى مدير المجموعة آرنو دو بروسون، أنّ «عشرات الوظائف التي أُعلِن نقلُها إلى فرانكفورت لا تعكس خياراً فعلياً بالانتقال» إلى تلك المدينة، مضيفاً أنه «في ما يتعلق بنقل عمليات السوق، فإن باريس ستكون أفضل مكان». ويقول إنّ «باريس هي عاصمة الأسواق المالية في القارة، بينما فرانكفورت هي مدينة القطاع المالي التقليدي»، مشيراً إلى أنّ باريس تضم 150 ألف وظيفة في القطاع المالي مقارنة مع 70 ألفاً في منافستها الألمانية.
وفي السياق، يعترف مدير جمعية «فرانكفورت ماين فاينانس» هوبرت فايث، التي تُروِّج لمنطقة المال بين المصارف الأجنبية بأنّ «نحو مئة مصرف تبحث عن موطن جديد لعملياتها الأوروبية، فيما لم تقرر سوى نحو 12 فقط منها ما الذي ستفعله»، مضيفاً أنّه «قياساً بعدد الإعلانات، فإن فرانكفورت هي في الصدارة بالتأكيد، ولكن عليك أن تنظر إلى عدد الوظائف التي يجري نقلها فعلياً، والأهم من ذلك ما هي هذه الوظائف».
(الأخبار، أ ف ب)