عندما بدأ إيمانويل ماكرون المرشّح رحلته نحو الرئاسة، نجح في استغلال الظروف السياسية التي كانت محيطة به، وتمكن من الوصول إلى هدفه. رسم صورة التجديد والتغيير والتخلّص من الطبقة السياسية التقليدية، فيما تخبّط منافسوه من يمين ويسار بأوضاع داخلية سيئة، سمحت بتسليط الضوء عليه. وبوجه مرشحة «الجبهة الوطنية»، مارين لوبن، فضّله كثير من الناخبين عن غير اقتناع بأفكاره لتفادي أسوأ الشرّين.


ولا شك في أنّ الرئيس الفرنسي استمتع بفترة ذهبية في الأشهر الثلاثة الماضية، بدأت بفوزه بالانتخابات الرئاسية ثم التشريعية. لكن الفترة تلك أوشكت على الانتهاء، ولم يعد هناك الكثير من الوقت قبل أن تبدأ المشاكل والأزمات بالظهور بوجه الرئيس الشاب، الذي قد يكون فوزه بالانتخابات إنجازه السياسي الأول والأخير. ولعلّ ما سمح لماكرون بالفوز في الدرجة الأولى، طريقته الناجحة في الدعاية والتواصل، وهي نفسها التي تدفع بشعبيته الآن إلى الانخفاض.


ماكرون أمام
إشكالية الطريقة التي يترجم بها أفكاره إلى أفعال ملموسة

والمشاكل المذكورة ليست جديدة، بل هي قضايا تشغل الرأي العام الفرنسي منذ سنوات ومتعلّقة بالاقتطاعات الضريبية وقانون العمل، ورثها ماكرون عن أسلافه وورث معها في الوقت عينه طرق معالجة مماثلة في العمق، موجهة بسياسة نيوليبرالية، تختلف عن عنوان «التجديد» الذي أراد به تصنيف حركته السياسية، «الجمهورية إلى الأمام».
وأولى عثرات ماكرون تمثلت في مواجهته مع الجيش والتي دفعت قائده الجنرال بيار دو فيلييه إلى الاستقالة، بسبب طريقة الرئيس في التعامل معه. ووفق ما يقول المحلّل السياسي الفرنسي، جوليان روشدي، لـ«الأخبار»، شكّل تصرف ماكرون مع دو فيلييه «صدمة كبيرة في فرنسا... فالجيش يحظى باحترام كبير هنا، والجميع يعلم أنه يعمل بوسائل محدودة».
وبدأ الخلاف الأسبوع الماضي مع إعلان أحد الوزراء في مقابلة صحافية عن أنه، وعلى عكس الضمانات برفع ميزانية الجيش، سيقتطع 850 مليون يورو منها، كجزء من خطة ماكرون بتخفيض الإنفاق الحكومي. ومع تعبير دو فيلييه عن رفضه واستيائه من ذلك، ردّ عليه ماكرون علناً بالقول: «أنا المسؤول هنا»، في تعبير وصف بأنه سلطوي وأثار جدلاً واستياءً في أوساط المراقبين العسكريين.
وبالنسبة إلى روشدي، فإن ماكرون «برغبته في تخفيض موارد الجيش أكثر وبتصرفه السلطوي تجاه الجنرال دو فيلييه، الذي رغب بالتنبيه حول تراجع حالة الجيش، ابتعد كثيراً عن الناس، وهذا خطأ كبير»، وقد أذى هذا «الخطأ في التواصل» ــ الذي بدأ يظهر في أكثر من مناسبة ــ شعبية ماكرون.
من جهة ثانية، فإن ماكرون أمام إشكالية الطريقة التي يترجم بها أفكاره إلى أفعال ملموسة، وفق ما كتب بيرتران سوبوليه في صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، متابعاً أنه لا يكفي فقط اتباع استراتيجية تواصل ناجحة مبنية على «قوة الصورة»، إذ خلف الشكليات، ستفرض الحقيقة نفسها. وقوة الصورة تلك لا تغير واقع أن السياسات النيوليبرالية التي يريد ماكرون تنفيذها لتتوافق مع معايير بروكسل، ليست شعبية على الإطلاق. إنها «السياسة نفسها المعتمدة في فرنسا منذ 20 عاماً، وتبين أنها لا تسير بشكل جيد»، وفق جوليان روشدي. ولحظ ماثيو تورنز في صحيفة «ذي اندبندنت» البريطانية أن 16 في المئة فقط ممن صوتوا لماكرون مقتنعون ببرنامجه السياسي، ولذلك فليس من المفاجئ أن تقابل تلك السياسات برفض واسع.
كما أن غياب معارضة برلمانية فاعلة لا يعني أن خطط الرئيس ستسير بسلاسة، إذ مثل الذين سبقوه، سيكون على ماكرون أن يواجه تحدي الشارع. والمواجهة الأولى مع المحتجين الغاضبين تبعد شهرين فقط، عندها سترى فرنسا كيف سيتصرف ماكرون مع موجة من التظاهرات والاحتجاجات ضد السياسات الاقتصادية في أيلول المقبل، والتي توعدت بها النقابات العمالية وبعض قوى اليسار، وخصوصاً «فرنسا المتمردة» بقيادة جان لوك ميلانشون.
ويريد ماكرون تخفيض الإنفاق الحكومي بحوالى 13 مليار يورو، لتتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي القاضية بأن تكون نسبة العجز 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. يتّفق تنفيذ ذلك مع رؤية ماكرون عن تقليص القطاع العام في فرنسا على حساب توسيع القطاع الخاص، وهي سياسات أثبتت السنوات الماضية أنها لن تلقى قبولاً على الإطلاق من العديد من القوى في البلاد.
وبينما قدم ماكرون نفسه على أنه مختلف عن رئيسه السابق، فرنسوا هولاند، يلحظ جوليان روشدي أنه في الواقع «يتّبع سياسة هولاند الاقتصادية نفسها التي رفضها الفرنسيون سابقاً والتي لا يمكن تطبيقها».
ولهذا، لا يكفي أن يستمر «ماكرون باللعب والقيام باستقبالات دولية واحتفالات... لكن عليه الآن أن يعالج المسائل بعمق وليس فقط بطريقة شكلية... وهذا ما يعني أن إصلاحاته ستكون دونها صعوبات كثيرة، وقد لا تتحقق في النهاية». وهنا تكمن «الهوة» بين طريقة ماكرون في التواصل التي تعبر عن «التجديد»، وبين سياسته التي هي استكمال للقديم، ومن الصعب أن يحكم ماكرون بلاده بالتواصل فقط.