لندن | في وقت أصبحت فيه أخبار صراع خلافة تيريزا ماي في كواليس حزب المحافظين الحاكم شغلاً شاغلاً للصحافة البريطانيّة، وبينما يكاد يتفق معظم نواب الحزب على أن مسألة رحيلها من منصب رئيس الوزراء صارت في حكم الأمر المحتّم، صدمت ماي الجميع بمغادرتها البلاد في رحلة خاصة لثلاثة أسابيع ستقضيها في جبال الألب بين إيطاليا وسويسرا.


فتلك فترة ليست بالقصيرة في عالم السياسة، ولا سيّما أن فريقها الحكومي يتخبط في إعداده للخطة التفاوضيّة عن الجانب البريطاني في ما يتعلق بـ«البريكست»، تلك الخطة التي لا قرارات حاسمة بشأنها حتى الآن، برغم أن كل شيء سيوضع على الطاولة في الخريف المقبل.
المطلعون على دواخل حزب المحافظين قالوا إن ثقة ماي المفاجئة هذه في ظل النتيجة الهزيلة التي حصل عليها حزبها في الانتخابات العامة الأخيرة ــ والتي بالكاد مكنت الحزب من البقاء في السلطة ــ متأتيّة أساساً من علمها بأن كل المتآمرين للصعود مكانها «على العرش» لا يمتلكون أوراقاً كافية تؤهلهم لجمع الأصوات المطلوبة للحصول على الثقة في أي تصويت داخلي. وقد نُقل عن أحد حكماء الحزب قوله: «إن ماي كما أضحية القرية، يعلم الجميع أننا سنذبحها في الوقت المناسب». لكن ذلك الوقت المناسب قد لا يأتي قريباً، وقد نصحو بعد حلم الصيف على حقيقة أن ماي متمسكة بالسلطة، ولديها برنامج تفاوض متماسك لـ«البريكست»، ومن ثم هي تبعد جيريمي كوربن عن مقر الرئاسة حتى موعد الانتخابات العموميّة المقبلة في 2022، وعندها يكون الوقت قد أطفأ فورة صعود نجم اليسار، أو يكون كوربن ذاته قد فقد الرغبة بالمنصب أو أن حرباً أهليّة في حزب العمال قد أضعفت تيار اليسار الجامح فيه.


يحاول وزير
الخزانة ديفيد هاموند طرح نفسه بديلاً منطقياً لماي

هذا الكابوس تدفع المملكة ثمنه بسبب فجوة جيل كامل في الكوادر الوسطى المقبولة شعبياً في حزب المحافظين الحاكم. كانت تلك الفجوة قد ظهرت على العلن لحظة أعلن ديفيد كاميرون في 2015 أنه لن يترشح في انتخابات لاحقة لتلك التي فاز بها حزبه حينها، ومن ثم تصاعدت إلى درجة حرجة بعدما صفت القيادات العليا بعضها في لعبة عروش دموية أقصت الجميع، وقدمت الصولجان على طبق من فضّة للسيدة المتجهمة التي كانت قابعة في مكتبها بوزارة الداخلية ــ تيريزا ماي.
ولذا، عندما بدأ المتآمرون الأساسيون على عرش ماي بتسريب الأخبار من مطبخ الحكم، زجرتهم رئيسة الوزراء دون رحمة، وهددت بأنها إذا لم تحصل على تضامن الفريق الحكومي بالكامل فإنها ستقفز من السفينة و«تترككم لجيريمي كوربن والعمال».
بالفعل فإن «العمال» المنتشين من نتيجة الانتخابات الأخيرة يترقبون أي اهتزاز في قارب الحكومة للقفز على الدفّة وانتزاع السلطة، سواء بعجز رئيس وزراء محافظ جديد على كسب الثقة في البرلمان أو حتى من خلال انتخابات عامة جديدة تشير استطلاعات الرأي إلى أنها ستكون محسومة لمصلحة «العمال» هذه المرة إذا جرت في وقت قريب.
بالطبع، هدأت موجة التسريبات، لأن السيناريو «الكوربيني» ممكن، ولأن «المحافظين» ليسوا متوافقين بعد على خليفة لماي، وأيضاً لأن البلاد تبدو من الخارج وكأنها «إيطاليا لعينة» لا تعمَّر فيها الحكومات إلا أشهراً معدودة، الأمر الذي سيضعف أوراق بريطانيا ــ الضعيفة أصلاً ــ في المفاوضات من أجل «البريكست».
ديفيس ديفيس المكلّف ملف «البريكست»، ومشايعوه داخل الحزب، يعتقدون أنهم إن هم نجحوا في وضع استراتيجيّة تفاوض تبقى الأوضاع على ما هي عليه الآن لسنتين أو ثلاث، مع استعادة لندن زمام القرار من بروكسل ويقتنع الأوروبيون بها، فإن أسهمه سترتفع داخل الحزب ــ شعبياً أيضاً ــ وحينها يقع القدر المحتوم. لكن المطلعين على السير الفعلي للمفاوضات يعلمون أن بروكسل تريد اتفاقاً سريعاً يضمن تبخر أحلام البريطانيين بالاحتفاظ بالكعكة وأكلها في الوقت ذاته، وأنهم لن يتساهلوا في شروطهم، ولا سيما بعد الانتخابات البريطانية الأخيرة، والثقة المتزايدة بموقف الفرنسيين من الاتحاد الأوروبي لعقد مقبل على الأقل.
وزير الخزانة ديفيد هاموند، يحاول بدوره طرح نفسه بديلاً منطقياً لماي، وهو من أجل ذلك يحمل أجندة مصالح الأعمال التي يهدد بعضها باتخاذ إجراءات حاسمة لمغادرة الجزيرة كلها إذا لم يحسم موضع «البريكست» على نحو متساهل قبل أعياد الميلاد نهاية العام الحالي، ومنهم بنوك كبرى وشركات طيران واتصالات. كذلك يتظاهر باتجاهه لتخفيف أعباء سياسة التقشف على الطبقات الأقل حظاً، لكنه لا يتمتع بتأييد واسع داخل الحزب، وتصريحاته الخرقاء للصحافة تشوه صورته عند الطبقة العاملة، ولا سيما أنه يُعَدّ مسؤولاً أولاً ــ في رأي الأغلبيّة ــ عن سياسات تقليص إنفاق حكومي عديمة الشعبيّة.
بوريس جونسون ما زال موجوداً بالطبع، وله مؤيدون كثيرون داخل الحزب، لكن مشاغباته العبثيّة في منصبه كوزير للخارجيّة في الحكومة الحاليّة تحول دون ذلك، كذلك فإنه لا يزال من صقور «البريكست» الذين يحلمون بقدرتهم على تأديب بروكسل والخروج بأفضل حصيلة ممكنة. وزيرة الداخليّة الحاليّة آمبر رود، قد تكون كما تيريزا ماي على مقاعد الاحتياط إذا انتهت لعبة العروش «الرجاليّة» داخل الحزب إلى مقتل الجميع كما حصل عشيّة استقالة كاميرون بعد استفتاء «البريكست» في حزيران/ يونيو 2016، لكن التأييد لها محصور الآن في تحالفات تقوم على مبدأ عدو عدوي صديقي، من دون قاعدة حقيقيّة تحملها إلى العرش.
البطة العرجاء تيريزا ماي ــ كما سمّتها الصحافة البريطانيّة ــ تعلم كل هذه الحسابات بالطبع، وهي اختارت بالذات إجازة طويلة للمشي ــ لتثبت ربما أنها ليست بالعرجاء كما تظنون. هي تتمشى في أوروبا وتنام ملء جفونها، بينما حكماء حزب المحافظين يتقلبون في مكاتبهم لا يعلمون من أين ستأتيهم الصفعة المقبلة: من بروكسل أم من أحد مجانين السلطة في حزبهم الحاكم ــ حتى اللحظة؟