نجحت كراكاس في تمرير انتخابات مفصلية في اليومين الماضيين، من شأنها أن تحصّن المعسكر اليساري الذي يتزعمه نيكولاس مادورو، من خلال إجراء تعديل دستوري يهدف إلى تصويب وجهة الثورة البوليفارية، بما يمكّنها من مواجهة التحديات الراهنة.


ولكن الاستحقاق الانتخابي، الذي يسعى من خلاله الرئيس اليساري إلى قطع الطريق أمام ما يصفه بـ«محاولات التخريب» التي تمارسها المعارضة اليمينية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، ينذر بتفاقم الأزمة السياسية في فنزويلا، والتي بلغت خلال الأشهر الماضية مستوى خطيراً من العنف، في ظل تدهور اقتصادي حاد، كنتيجة لانخفاض الأسعار العالمية للنفط، المصدر الرئيسي للواردات المالية المحلية.
ومن خلال هذه الانتخابات، اختار الفنزويليون، أول من أمس، جمعية تأسيسية تضم 545 عضواً، يتوزعون بين 364 عضواً يمثلون المناطق الإدارية في فنزويلا، و173 عضواً يمثلون قطاعات المجتمع الفنزويلي (79 مقعداً للعمال، و28 للمتقاعدين، و24 للطلاب، و24 لمجالس الكومونات، و8 للسكان الأصليين، و8 للمزارعين، و5 لذوي الاحتياجات الخاصة، و5 للمهن الحرة). وحدد الهدف الرئيسي للانتخابات بتعديل الدستور الحالي، الذي تمت صياغته في عام 1999، على أيدي 131 خبيراً دستورياً.


يتمثّل الانتصار
الفعلي لمادورو
في نسبة
التصويت العالية

وأعلن مادورو، في خطاب ألقاه بعد ساعات على إقفال صناديق التصويت، أن معسكره فاز في الانتخابات، وهي نتيجة كانت متوقعة، في ظل مقاطعة المعارضة الفنرويلية لهذا الاستحقاق باعتباره «خطوة نحو الدكتاتورية» و«انقلاباً سياسياً» يهدف من خلاله الرئيس اليساري إلى تقويض صلاحيات الجمعية الوطنية (البرلمان) التي يستحوذ المعارضون على غالبية المقاعد فيها.
ورغم ذلك، يمكن القول إن الانتصار الفعلي لمادورو تمثل في نسبة التصويت العالية، التي قاربت 41.5 في المئة (نحو ثمانية ملايين ناخب)، والتي عاكست، على ما يبدو، الحملات المضادة، التي قامت بها المعارضة اليمينية لتعطيل الانتخابات، أو على الأقل إضعاف حجم المشاركة الشعبية في الاستحقاق الانتخابي، من خلال الدعوات التي أطلقتها للتظاهر وقطع الطرق الرئيسية، والهجمات التي شنّها مناصروها على مراكز الاقتراع، إضافة إلى الضغوط الخارجية التي بلغت ذروتها في التحذير الصريح الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمتضمن تهديداً بفرض عقوبات على فنزويلا.
ورغم ذلك، فإن عدد المشاركين في الانتخابات يعكس وجود استقطاب حاد في الدولة اللاتينية المثقلة بالأزمات، خصوصاً أن المعارضة اليمينية نجحت، قبل أسبوعين، في حشد 7.5 ملايين شخص في استفتاء غير رسمي لمعارضة إجراءات مادورو.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كلاً من طرفي الأزمة الفنزويلية انتهج لغة التشكيك في الاستحقاقين الرسمي وغير الرسمي؛ ففي حين قالت المعارضة إن عدد المشاركين في الانتخابات الحالية لم يتجاوز مليونين ونصف مليون شخص، قال معسكر مادورو إن الطرف الآخر ضخّم عدد المشاركين في الاستفتاء الرمزي بثلاثة أضعاف على الأقل.
ولكن في ظل الصراع القائم، فإن لغة الأرقام قد لا تعني شيئاً، فالمعسكران اليساري واليميني يبدوان عازمين على استخدام كل الأسلحة السياسية المتاحة لاستكمال المعركة الصعبة.
وبشكل عام، بات مادورو بعد الانتخابات متسلحاً بجمعية تأسيسية، تملك صلاحيات مطلقة، وتحظى بشرعية شعبية، لا ينتقص منها سيل الاتهامات الداخلية والخارجية، طالما باتت أمراً واقعاً.
هذا الواقع أكده مادورو في «خطاب النصر» الذي ألقاه أمام حشد من مناصريه في كراكاس، إذ قال إنّ «هذه الانتخابات هي الأكبر التي تحققها الثورة البوليفارية في تاريخها منذ 18 عاماً»، في إشارة إلى العام الذي وصل فيه هوغو تشافيز إلى الحكم. وتساءل: «لماذا نأبه لما يقوله ترامب؟».
في المقابل، تتسلح المعارضة بكتلة شعبية وازنة، وآلة إعلامية ضخمة، مكّنتها من مواصلة الحشد في الشارع طوال الأشهر الثمانية الماضية، وأيضاً ببرلمان ما زال قائماً، وإن كانت صلاحياته مهدّدة بالتآكل.
وأما السلاح الأخطر الذي يملكه اليمينيون، فيتمثل في الدعم الخارجي، لا سيما من قبل الولايات المتحدة، التي كانت أولى الجهات المندّدة بانتخابات الجمعية التأسيسية. ومساء أمس، وصفت واشنطن مادورو بأنه «ديكتاتور»، وفرضت عقوبات على «أي ممتلكات» قد تكون لديه على أراضيها. وقال وزير الخزانة ستيفن منوتشين، في بيان، إنّ «الانتخابات غير الشرعية أمس تؤكد أن مادورو ديكتاتور يتجاهل إرادة الشعب الفنزويلي».وقد يؤدي فرض عقوبات إضافية على فنزويلا إلى تفاقم المتاعب الاقتصادية، خصوصاً إذا ما اقترن ذلك بإشاعة أجواء مشكّكة بين المستثمرين بشأن شرعية اتفاقات تمويل تدعمها الجمعية التأسيسية الجديدة لبرامج اقتصادية ــ اجتماعية. ويبدو أن المعارضة الفنزويلية عازمة على المضي قدماً في التصعيد، وهو ما عكسته تصريحات قادتها الذين جددوا الدعوات إلى تحدّي مادورو عبر الاحتجاجات الشعبية.
ومع ذلك، فإن المعسكر اليساري يبدو أكثر ثقة بأنّ الجمعية التأسيسية الجديدة ستشكل فرصة جدية للقيام بهجوم مضاد، لتدعيم الثورة البوليفارية في المعركة الكبرى التي تخوضها ضد خصوم الداخل وأعداء الخارج.
(الأخبار)