غداً يُعرف ما إذا كانت الأشهر الماضية، التي حفلت بمفاوضات مكثّفة بين إيران والدول الست حول البرنامج النووي، تربة خصبة، فعلاً، لاتفاق شامل وتاريخي. حتى الآن، يبدو من تصريحات المفاوضين من جهة وامتعاض غير المفاوضين من جهة أخرى ــ مثل إسرائيل التي تحدثت عن انهيار الدول الكبرى أمام طهران ــ أن الاتفاق أصبح «وشيكاً». ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون المنعطف الأخير هو الأضيق والأصعب في الطريق التفاوضي الطويل الذي سارت عليه إيران والدول الست.


المؤشرات التي تدل على التوصل إلى نوع من تفاهم، لا يزال يقابلها عدم التطرّق إلى اختراق حاسم، والتصريحات الإيجابية لا تزال تلتفت في نهايتها إلى «لكن» قد تتحوّل، في هذين اليومين، إلى «نعم» أو «لا» حاسمة. كذلك فإن تصريح الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، السبت، عن أنه «في ظل تعاون إيران يمكن أن تصدر الوكالة تقريراً عن تحقيقها في أبحاث إيران النووية السابقة، بحلول نهاية العام»، لا يقلّ أهمية عن زيارة مساعديه طهران، أمس ليلاً، لمناقشة قضية الشق العسكري المحتمل في الملف النووي، ذلك أن أبرز نقاط الحسم وأكثرها حساسية، تبقى شرطاً أساسياً لتخفيف بعض العقوبات عن طهران.

نتنياهو: ما نراه
آخذاً في التبلور حالياً
هو مجرد انهيار وليس تقدماً

وفي هذا المجال، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن مصدر مقرّب من الفريق الإيراني المفاوض، أنه بالرغم من أن «الوکالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع تقديم وسائل قابلة للاعتماد وموثوقة لإثبات مزاعمها، لکن إيران أعلنت استعدادها لمساعده الوکالة علی حل هذه القضية في إطار ملاحظاتها». وأضاف: «بالنسبة إلينا، هذه القضية ليست صعبة لأنه لا يوجد غموض».
في هذا الوقت، استمرت غالبية الأطراف في تظهير أجواء التفاؤل، بعدما كانت قد عكسته تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الجمعة. وأكد مساعد وزير الخارجية عباس عراقجي، السبت، أن «التقدم الذي تحقّق، خلال الفترة الأخيرة، لم يشهده أي وقت من الأوقات السابقة». وقال للتلفزيون الإيراني إن «هناك وجهات نظر بين الطرفين والاحتمال قائم بالتوصل إلی اتفاق حولها، وبطبيعة الحال توجد هنالك بعض القضايا التي نعمل كما في السابق على معالجتها».
عراقجي أضاف «أننا لن نقيّد أنفسنا بالوقت للوصول إلی الاتفاق». وقال: «سوف لن نسمح بأن يتخذ الوقت القرار لنا، وسيكون الاتفاق ممكناً في ما لو تحققت المبادئ والأطر التي نريدها، وفي غير هذه الحالة سوف لن نتابع الاتفاق السيّئ». وأوضح أن المفاوضين أعدّوا «نصاً من 20 صفحة مع خمسة ملاحق، أي في الإجمال بين 70 و80 صفحة»، لكن «بعض المسائل المهمة» خصوصاً «أربع أو خمس نقاط تتعلق بالعقوبات»، لم تتم تسويتها حتى الآن وسيحسم أمرها وزراء الخارجية.
وفي إشارة إلى الأبحاث والتنمية في المجال النووي، أكد عراقجي أن «الأبحاث والتنمية ستستمر بشأن أجهزة الطرد المركزي المتطورة ومن ضمنها آي آر 8». وإذ أشار إلى أن الاتفاق النووي «يتخذ الصفة الرسمية بالمصادقة عليه من قبل مجلس الأمن الدولي»، فقد لفت الانتباه إلى أنه «في إجراء متزامن يوم توقيع الاتفاق، يتم إلغاء جميع إجراءات الحظر الاقتصادية والمالية المفروضة من جانب أوروبا وأميركا ومجلس الأمن الدولي دفعة واحدة»، مضيفاً أن «إجراءاتنا أيضاً تتم التزاماً بالتعهدات».
إيرانياً أيضاً، أشار رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني إلى أن «آفاق المفاوضات النووية إيجابية وجرت خطوات مهمة في المسير الإيجابي لتسوية الخلافات»، في حين رأى مساعد وزير الخارجية مجيد تخت روانجي أن التوصل إلی اتفاق بحاجة إلی اتخاذ القرارات السياسية. وقال «يبدو أنه آن الأوان للقيام بذلك حالياً». وأكد في حديث إلى وکالة الأنباء النمسوية أنه «إن لم يجر التوصل إلی الاتفاق فهذا لا يعني نهاية العالم».
على الجهة الأخرى، رأى وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن «الوقت حان» لإنهاء المفاوضات. وأكد في تصريحات إلى الصحافيين، في فيينا، أنه بعد نحو عامين من المفاوضات، وفي اليوم التاسع من أحدث جولة من المحادثات، «فقد تم إحراز تقدم حقيقي».
ولكن بعد ثلاثة اجتماعات منفردة، أمس، مع نظيره الإيراني، حذّر كيري من أن مصير المفاوضات لا يزال غير معروف «ومفتوح على كل الاحتمالات». وقال: «خلال الأيام القليلة الماضية أحرزنا في الواقع تقدماً حقيقياً، ولكنني أريد أن أكون واضحاً تماماً مع الجميع، إننا لم نصل بعد إلى المرحلة التي نريدها بشأن العديد من أصعب القضايا». وأضاف أنه «إذا تمكنّا من الاتفاق على خيارات صعبة، خلال اليومين المقبلين وبسرعة، فقد نتوصل إلى اتفاق هذا الأسبوع. ولكن إذا لم يحدث ذلك فلن نتوصل إلى اتفاق. ولذلك فإن فرقنا ستعمل بجد كبير خلال الساعات والأيام المقبلة، وسنبذل أقصى جهودنا».
وقد بدأ وزراء خارجية كل من فرنسا وألمانيا وروسيا وبريطانيا بالعودة إلى العاصمة النمسوية، أمس، فيما يتوقع وصول نظيرهم الصيني اليوم. وقد أعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، عند وصولها إلى فيينا، أن الاتفاق «وشيك جداً»، مؤكدة أن «الجو بنّاء وإيجابي». وقالت: «الآن حان وقت أن نرى ما إذا نضج كل هذا وتحول إلى اتفاق».
من جهته، مارس وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس دوره المعتاد، وجدّد مطالبة الإيرانيين بـ«التزامات واضحة». وقال لدى وصوله إلى فيينا: «تفصلنا 72 ساعة عن مهلة انتهاء المفاوضات. الأوراق كلها على الطاولة، القضية الرئيسية تكمن في معرفة ما إذا كان الإيرانيون سيقبلون بالتزامات واضحة حول ما لم يتم توضيحه حتى الآن».
وإزاء احتمال التوصل إلى اتفاق، عادت إسرائيل إلى الاستنكار، بشكل مسبق، فالأنباء الواردة من العاصمة النمسوية أشعلت ضوءاً أحمر في تل أبيب التي رفعت، أمس، من سقف اتهاماتها لكلّ من يفاوض إيران في فيينا، مشيرة إلى أن الدول الست انهارت أمام المفاوض الإيراني، وخضعت تماماً لشروطه.
وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مستهل جلسة الحكومة الإسرائيلية، إن «ما نراه آخذاً في التبلور حالياً، هو مجرد انهيار وليس تقدماً، وفي كل يوم يمر تتزايد التنازلات التي تقدمها الدول العظمى»، مضيفاً أن «الصفقة الآخذة في التبلور ستمهّد الطريق أمام إيران لإنتاج مقدرات كثيرة لكمية هائلة من القنابل النووية». وحذّر من أن مئات المليارات من الدولارات، التي ستتدفق إلى الاقتصاد الإيراني جراء هذا الاتفاق، ستستخدم لتمويل «عدوان طهران وإرهابها» في المنطقة والعالم.
وجدّد نتنياهو وصف الاتفاق بالسيّئ، و«هو أسوأ باعتقادي من الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في الماضي مع كوريا الشمالية، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى حصول بيونغ يانغ على ترسانة نووية».
وكانت مصادر مسؤولة في مكتب نتنياهو قد هاجمت الاتفاق مع إيران، مشيرة في حديث إلى موقع «واللا» العبري إلى أن التنازلات التي تحدث عنها رئيس الحكومة تتعلق بكل ما يجري في المفاوضات، وهي تزداد يوماً بعد يوم، و«الدول الست تراجعت في ما يتعلق بالآليات الممكن اعتمادها للإشراف على الاتفاق، وأيضاً تراجعت في ما يتعلق برفع العقوبات، كما تراجعت بشأن عدد أجهزة الطرد المركزي التي ستبقى لدى الإيرانيين، والبحوث والتطوير وأجهزة الطرد المركزي الأكثر تطوراً».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)