طهران | ليس صدفة أن تعلن إيران الخطة الخمسية لسياسات التنمية العامة للبلاد، بمرحلتها السادسة، في هذا التوقيت بالتحديد. بنود تمّ إبلاغها من قبل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي رسم السياسات العامة للتنمية والازدهار، وأبلغها إلى الرئيس حسن روحاني.

الأهم في هذا الإعلان، الذي قُسّم إلى ثلاثة محاور من ثمانين بنداً، أنه شرح آليات العمل التنموي والاقتصادي والعلمي والاجتماعي والأمني والصناعي، إضافة إلى العديد من الأمور الحياتية في إيران، إلا أن الأبرز واللافت كان التأكيد على تطوير البنية العسكرية الدفاعية. في هذا المجال، أصبح لزاماً على حكومة الرئيس روحاني التقيّد بالمقررات التي صدرت عن خامنئي، القائد الأعلى للقوات المسلّحة في إيران.

بند «تخصيص ميزانية تصل إلى 5%» للتطوّر العسكري والدفاعي، يعني زيادة بأكثر من الضعف عمّا هو حالياً، فالحكومة الإيرانية أقرّت نسبة 2% من عائدات الدولة لدعم التطور الدفاعي والعسكري، فيما نصّت الخطة الجديدة على رفع النسبة إلى 5% لتطوير القدرات العسكرية والدفاعية، «لتتناسب مع مستوى القدرات العسكرية الموجودة في المنطقة، ورفع مستوى القدرات الصاروخية والتسليحية بما يتناسب مع مستوى التهديد، إضافة إلى العمل على تطوير الدفاعات الإلكترونية والسايبرية».
وكانت الحكومة الإيرانية قد خصصت 47200 مليار ريال إيراني من عائدات الحكومة لدعم الصناعات العسكرية، ما يعادل اليوم حوالى مليار وأربعمئة وثلاثين مليون دولار أميركي، بينما نصّت الخطة الخمسية على رفع هذا الدعم إلى 137200 مليار ريال إيراني كحد أدنى، أي ما يعادل أربعة مليارات ومئة وخمسين مليون دولار أميركي، ستكون حاضرة بقوة في ميزانية العام المقبل. تسمح هذه الزيادة بفتح الكثير من المشاريع العسكرية وتطوير القدرات القتالية والدفاعية، وخصوصاً في مجال الحرب الإلكترونية والصاروخية، إضافة إلى المساهمة في تطوير الغواصات والبوارج الحربية وكل أنواع الأسلحة، منها منظومات الدفاع الجوي ومقاتلات حربية وآليات عسكرية محلية الصنع.
هذا القرار سيعيد تحريك عجلة التصنيع العسكري في مصانع وزارة الدفاع ومنشآت التطوير والأبحاث العسكرية، وهو ما يدلّ على قرار إيراني برفع مستوى المواجهة وإظهار جديّة كبيرة في إعلان الجهوزية لأي تهديد محتمل. علاوة على ذلك، يظهر هذا القرار وجود مؤشرات إيجابية باتجاه الحلفاء والأصدقاء، إلى أن الميزانية العسكرية التي يتحدث الغرب عن تقليصها، بفعل العقوبات، ازدادت أضعافاً ويمكن التعويل على القدرات العسكرية الإيرانية في مواجهة التهديدات التكفيرية ــ كما حصل في العراق بعد تزويد طهران بغداد وإقليم كردستان بالسلاح ــ إثر اجتياح تنظيم «داعش» لمناطق شمال العراق، وصولاً إلى الموصل.
هي رسالة وصلت إلى أكثر من صندوق بريد، بين عدو وصديق. طمأنة للأصدقاء بـ«أننا لا نزال نحافظ على قدراتنا وجاهزون للدعم وتقديم العون»، فيما العدو «الكاره» لإيران، وصلته أرقام الموازنة العسكرية على أنها تحدٍّ لكل أشكال الضغط والعقوبات، فالحرب بالمفهوم الإيراني ليست نووية، إنما حرب ضد القوة الإيرانية المعادية للمشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة. وفي ظل مليارات الدولارات المشروطة، التي توزّع على الدول العربية كمساعدات أو هبات عسكرية أميركية أو بمباركة أميركية، يرى خصوم إيران ارتفاعاً في ميزانية العسكر بمجهود ذاتي، رغم إغلاق السماء والجو والبر في وجه طهران عبر وقف تدفّق نفطها ومنع التجارة معها ومحاصرة مصارفها وإيقاف شركاتها في الخارج والضغط على سحب الشركات الأجنبية استثماراتها منها.
ورغم إرهاقها بضرب حلفائها ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار فيها ورفع مستوى التهريب وتجارة المخدرات من أفغانستان إلى أراضيها، ظلت إيران تحاور الغرب من منطق القوة والندية، وهذا ما يُشهد له على طاولة المفاوضات. أوضح المفاوض الإيراني، صراحة، أنه لن يقبل بأن يعامل بلغة التهديد، كما يرفض لغة الترغيب التي تخفي في طيّاتها الويل والوعيد. هو قادر على الصمود، وأعلن ذلك قائلاً «أن أعود خالي الوفاض إلى بلادي أفضل من أن أُذل باتفاق لا يسمن ولا يغني من جوع، أنا بغنى عنه».