لندن | يبدو أنّ النخبة المهيمنة في المملكة المتحدة بدأت تعيش أجواء قلق حقيقي إزاء احتمال انهيار حكومة «المحافظين» برئاسة تيريزا ماي، ما من شأنه تولي زعيم «حزب العمال»، جريمي كوربن، مقاليد المنصب التنفيذي الأهم في البلاد.

مشهد كوربن وهو يلقي «خطاب النصر» أمام مقر رئاسة الوزراء كان ولا يزال السوط الوحيد في يد تيريزا ماي للاحتفاظ بتماسك حزبها الحاكم، ولا سيما أنّ في صفوف «المحافظين» عدداً من الطامحين إلى المنصب، والمعادين لنهج «البريكست» المتصلّب الذي تقوده ماي في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن السياسة البريطانيّة في إجازة رسمية خلال الشهر الجاري، وأن اللاعبين الكبار بمن فيهم رئيسة الوزراء متوزعون على منتجعات أوروبيّة عدة بحثاً عن شمس مشرقة لا يجدونها في لندن، فإن حرب النخبة على كوربن لم تتوقف. وفي أحد فصول هذه الحرب، جرت محاولة حشر كوربن في «زاوية فنزويليّة» لجعله يتخذ موقفاً واضحاً من أحداث العنف في ذلك البلد الذي دعم زعيم «العمال» قيادته السياسيّة في مراحلها المختلفة منذ أيام الراحل هوغو تشافيز.
لكن تلك الخطة فشلت فشلاً ذريعاً، إذ تبيّن أن البريطانيين على عمومهم غير معنيين كثيراً بما يجري في تلك المنطقة، وأن موقف كوربن المعلن بإدانة العنف من أي طرف كان، شديد الذكاء، إذ لم يسمح لأحد بتسجيل النقاط عليه.


إنّ فكرة إنشاء حزب
كهذا، دون تنفيذها صعوبات عمليّة كثيرة

آخر الخدع في جعبة اليمين لمحاولة خلط الأوراق في المشهد السياسي البريطاني المتأزم كانت تسريبات انطلقت من موقع «تويتر» يوم الخميس الماضي، عن سعي مجموعة من السياسيين «المحافظين» إلى تشكيل حزب وسطي جديد، ينهي هيمنة «المتطرفين» في اليمين واليسار على أجواء السياسة في البلاد، ويعيد ردم الفجوة في النظام السياسي من خلال تمثيل الـ48 في المئة من المواطنين الذين صوتوا لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي ولا يجدون اليوم متحدثاً باسمهم، بالنظر إلى أن الحزبين الكبيرين (المحافظين والعمال) متفقان بشكل أو آخر على المضي قدماً بـ«البريكست».
البطل وراء هذه الفكرة (التي ما لبثت أن تلقفها الإعلام البريطاني الذي يعاني من شح شديد في المواد الإخبارية بسبب الإجازة الصيفية)، شخصيّة ليست من الصف الأول في «حزب المحافظين». هو جيمس تشابمن، خبير العلاقات العامة الذي عمل مساعداً للوزير المكلّف إدارة «البريكست» في الحكومة الحاليّة ديفيس ديفيس، وكان قبل ذلك مساعداً لوزير المال جورج أوسبورن، في حكومة ديفيد كاميرون.
وشنّ تشابمن هجوماً شديد اللهجة على سياسة ماي بشأن «البريكست»، مشيراً إلى أنها ستقود البلاد إلى الكارثة، وقال إنّ وزيرين في الحكومة الحاليّة وآخرين سابقين اتصلوا به للتداول بالفكرة. ويبدو أنه يُعوّل على إطلاق مشروع سياسي لإيقاف «البريكست»، يجمع غالبية الـ60 في المئة من «المحافظين» الذين كانوا مؤيدين لفكرة البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، إلى جانب عناصر جناح توني بلير اليميني في «حزب العمال» (يلتقون تحت لافتة مجموعة بروغريس داخل الحزب)، بالإضافة بالطبع إلى «الليبراليين الأحرار» المعارضين الأعلى صوتاً لـ«البريكست»، والأحزاب الإقليميّة في اسكتلندا وايرلندا الشمالية.
ورغم أن تشامبن أنكرعلاقة كل من ديفيس وأسبوربن ــ رئيسيه السابقين ــ بالمبادرة، فإنّ مصادر صحافيّة في لندن أشارت إلى أن مجموعة ديفيد كاميرون بالذات تحاول إخراج بريطانيا من عنق الزجاجة السياسي الذي تعيشه من خلال «إعادة تغليف حزب المحافظين كحزب نيوليبرالي موال لفكرة الاتحاد الأوروبي، وذلك على نسق حزب إيمانويل ماكرون الوسطي الذي اجتاح الانتخابات الفرنسيّة الرئاسية والبرلمانيّة الأخيرة». وللإشارة، فإنها نفس الفكرة التي طرحتها «مجموعة بروغريس» اليمينية في «حزب العمال» في مؤتمرها الأخير.
بطبيعة الحال، إنّ فكرة إنشاء حزب كهذا ــ أطلق عليه تشابمن فعلاً تسمية «حزب الديموقراطيين» ــ دون تنفيذها صعوبات عمليّة كثيرة، خاصة أن ليس هناك مستثمرون كبار حتى الآن مستعدون لتمويل بناء ماكينة حزبيّة ضخمة قادرة على مقارعة «المحافظين» و«العمال» عبر البلاد.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أنّ توني بلير حاول جاهداً طرح نفسه كطريق ثالث لوقف «البريكست»، لكن كبار ممولي «العمال» وعلى رأسهم جيمس ميل، لم يهتموا. كذلك طرح «حزب الليبراليين الأحرار» نفسه في الانتخابات الأخيرة كمعارض صريح لـ«البريكست»، لكن الناخبين أعرضوا عنه، وبالكاد حصل على عدة أصوات في البرلمان.
المعلّقون اليساريون رأوا أن هذه الدعوات تمثل أقوى مؤشر على توسع الصدع في الحزب الحاكم، وأنها لا تشكل خطراً حقيقياً على «حزب العمال» بقيادة جريمي كوربن. وهم قللوا من قيمة تلميحات تقول إنّ صقور اليمين في القوات المسلحة والاستخبارات البريطانيّة يُعدّون «لما يشبه انقلاباً في حال تولي كوربن تشكيل الحكومة»، وهي مؤامرة كادت تقع في السبعينيات بالتعاون مع المخابرات المركزيّة الأميركيّة لإزاحة رئيس الوزراء العمالي الأسبق هارولد ويلسن.
تشابمن يقود حملته «الدون كوشيتية» من مقر إجازته في اليونان، وتيريزا ماي في منتجعها السويسري ما زالت لا تعلق على أجواء لندن، بينما يقضي كاميرون أيامه في المهرجانات الموسيقية الصيفيّة هنا وهناك دون الإدلاء بتصريحات سياسيّة. حتى كوربن كان في كرواتيا في إجازة شخصيّة. لكن الجميع في لندن يعلم الآن أنّ عاصفة تتجمع خلف كل هذا الهدوء الخادع، وأن شهر أيلول المقبل سيكون حافلاً على نحو غير اعتيادي بتحولات السياسة البريطانيّة.