يتضح أن «ائتلاف اليسار الراديكالي»، سيريزا، ليس راديكالياً بالقدر الذي يشتهيه الكثيرون، أو كما يصوّره القادة الأوروبيون والإعلام الغربي السائد. فبعد استنهاض اليونانيين للدفاع عن المصالح والكرامة الوطنية في وجه «الابتزاز» ومساعي «الإذلال» من قبل القادة الأوروبيين، وتصويت 61.31% من اليونانيين لمصلحة رفض شروط الدائنين، شدّد زعيم حزب «سيريزا» ورئيس الحكومة اليونانية، ألكسيس تسيبراس، في كلمة تلفزيونية بعد صدور نتائج الاستفتاء مباشرة، على أن نتائج التصويت لا تعطيه تفويضاً للانفصال عن أوروبا، «بل هي تعزيز للموقع التفاوضي من أجل التوصل الى اتفاق قابل للحياة»، وأن العضوية في منطقة اليورو «لا رجوع عنها»، وأنه ما من آلية قانونية لطرد دولة عضو منها.


ورأى تسيبراس أن نتيجة التصويت ستحتّم على الدائنين مناقشة إعادة جدولة الدين اليوناني الهائل البالغ 250 مليار يورو (267 مليار دولار)، والذي يرى خبراء اقتصاديون كثر أن لا إمكانية لتعافي الاقتصاد إن لم يُشطب جزء مهم منه.


اتّفقت الأحزاب اليونانية على تشكيل جبهة مشتركة في المفاوضات


وفي مؤشر مقلق على مدى رغبة حكومة تسيبراس في التوصل إلى اتفاق مع «مبتزّي» بلاده، وفي أسرع وقت ممكن، قرّرت الحكومة، مباشرة بعد احتفالها ومناصريها بنتيجة الاستفتاء، التضحية بوزير ماليتها، يانيس فاروفاكيس، نزولاً عند طلب الدائنين الذين اشترطوا إزاحة فاروفاكيس كشرط لعودتهم إلى طاولة التفاوض. «بُعيد إعلان نتائج الاستفتاء، تبلغت أن بعض أعضاء مجموعة اليورو و«الشركاء» يفضّلون غيابي عن الاجتماعات، وهي فكرة رأى رئيس الوزراء (تسيبراس) أنها قد تكون مفيدة من أجل التوصل الى اتفاق. ولهذا السبب أغادر وزارة المالية اليوم»، كتب فاروفاكيس في مدوّنته الإلكترونية، مضيفاً أن «الشرعية الكبيرة التي مُنحت لحكومتنا (عبر الاستفتاء) يجب توظيفها على الفور في «نعم» لحل مناسب» يتم التوصل إليه مع الدائنين، داعياً الى اتفاق يتضمن «إعادة جدولة الدين وتخفيف التقشف وإعادة توزيع لمصلحة الأكثر فقراً، وإصلاحات حقيقية». وأردف فاروفاكيس قائلاً، «سوف أتحمّل باعتزاز كراهية الدائنين».
واتفقت الاحزاب اليونانية الرئيسية، يوم أمس، على تشكيل جبهة مشتركة في المفاوضات بين حكومة تسيبراس ودائني اليونان، مهمتها الأساس تحديد أهداف اليونان من الاتفاق المنشود مع ثلاثي الدائنين، أي المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي، وذلك بحسب إعلان صادر عن رئاسة الجمهورية. وفي سابقة من نوعها، اجتمع قادة أحزاب الائتلاف الحاكم والمعارضة، باستثناء «حزب الفجر الذهبي» النازي الجديد، لمدة 6 ساعات، ليتفقوا على بيان مشترك نصّ على أن «إعادة السيولة الى النظام المصرفي بفضل تفاهم مع البنك المركزي الاوروبي هو الاولوية الاولى». وشددت الاحزاب في بيانها المشترك على أن رفض مقترحات ثلاثي الدائنين في استفتاء الاحد يجب عدم تفسيره كرسالة «قطيعة» مع أوروبا، وأن الأمر يتعلق فقط بـ«تفويض لمواصلة (حكومة تسيبراس) الجهد وتكثيفه من أجل التوصل الى اتفاق عادل اجتماعياً وقابل للاستمرار اقتصادياً... (وأن يتضمن الاتفاق) سبل مكافحة البطالة المرتفعة ودعم المشاريع والتصدي لمسألة القدرة على سداد الدين العام».
ووقّع البيان المشترك حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ، وحزب باسوك الاشتراكي، وحزب تو بوتامي الوسطي، وحزب اليونانيين المستقلين اليميني (انيل)، شريك ائتلاف «سيريزا»، إضافة إلى الحزب الشيوعي، الذي اعتُبر تعاونه مع «سيريزا» خطوة نادرة.
وعقب اجتماع الأحزاب، قال وزير الدفاع اليوناني بانوس كامينوس، لوسائل الاعلام، إنه «ليس هناك طريق آخر ممكن سوى التوصل الى اتفاق» مع الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي، وذلك فيما قالت مصادر إن تسيبراس اتفق مع المستشارة الالمانية، انغيلا ميركل، في محادثة هاتفية أجراها يوم أمس، على أن تقدّم أثينا مقترحات جديدة أثناء القمة الاوروبية التي ستنعقد اليوم في بروكسل.

إجماع على أن الاستفتاء ليس
رسالة «قطيعة»
مع أوروبا

من جهتها، وصفت المتحدثة باسم حزب «سيريزا» اليوناني لدى بريطانيا، مارينا برينتوليس، نتيجة الاستفتاء الذي رفض فيه الشعب اليوناني شروط الدائنين، بالنصر التام، وبالمنعطف بالنسبة إلى أوروبا، متحدثة عن إمكان شطب جزء من الديون المتراكمة على اليونان. وأعربت برينتوليس عن أملها في بقاء أثينا داخل منظومة الاتحاد الأوروبي ومجموعة اليورو أيضاً، مؤكدة أن حزبها الحاكم يرغب في استئناف المفاوضات مع الجهات المقرضة «في أسرع وقت». وقالت برينتوليس إن «الدائنين سيفهمون أننا لا نقبل سياسات التقشف»، وإن إعادة هيكلة الديون البالغة نحو 323 مليار يورو، تمثل مشكلة كبيرة ينبغي حلها (في إطار المؤسسات الأوروبية)، قائلة، «إما أن تجري (عملية شطب لجزء من الديون) أو شيء آخر قابل للتطبيق بالنسبة إلى الشعب اليوناني».
وفي سياق متصل، أعلنت لوكا كاتسيلي، رئيسة اتحاد المصارف ورئيسة بنك اليونان الوطني (أحد المصارف الأربعة الأكبر في البلاد)، أن الحكومة اليونانية قررت أمس تمديد إغلاق المصارف حتى يوم غد الأربعاء، موضحة أن المبلغ الاقصى المسموح بسحبه بالنسبة الى اليونانيين سيبقى 60 يورو. وجاء إعلان كاتسيلي لقرار الحكومة إثر اجتماع لممثلي المصارف اليونانية مع مساعد وزير الاقتصاد اليوناني، ديمتريس مارداس. ويُشار إلى أن الحكومة كانت قد قررت إغلاق المصارف المحلية اعتباراً من الاثنين الفائت، إضافة إلى إغلاق البورصة، وذلك كإجراء احترازي إثر فشل المحادثات مع الدائنين. ولا يشمل قرار تحديد مبلغ السحب من الصرافات الآلية أصحاب الحسابات الخارجية، كالسياح ورجال الأعمال الأجانب.
من جهته، قال وزير المالية اليوناني المستقيل، يانيس فاروفاكيس، إن بلاده «قد تلجأ إلى العملة الإلكترونية، كما فعلت ولاية كاليفورنيا الأميركية، في حال عدم تلبية البنك المركزي الأوروبي احتياجات اليونان من السيولة النقدية». ونقلت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية عن فاروفاكيس قوله إنه «كان ينبغي على اليونان الانتقال إلى العملة الموازية قبل أسبوع»، موضحاً «أن هذا الإجراء الوقائي لليونان لا يُعدّ بمثابة بداية لخروجها من منطقة اليورو، بل إجراء قانوني في إطار العملة المشتركة».
وكانت ولاية كاليفورنيا قد لجأت إلى استخدام قسائم خاصة، معروفة باسم (IOUs)، عندما بات توافر العملة النقدية صعباً، وذلك إثر انفجار فقاعة الرهون العقارية وإفلاس مصارف عملاقة كبنك «ليمان براذرز» في عام 2008.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، الأناضول)