لندن | بريطانيا التي كانت ملاذاً آمناً لمعظم رموز التطرف الإسلامي باتت تضيّق الخناق عليهم. على مرّ العقود الماضية كانت لندن عاصمة للأصولية السياسية في العالم، بعد منحها إبان الحرب الباردة عدداً كبيراً من الرموز الاسلامية المتشددة «حق اللجوء السياسي»، أمثال أبو حمزة المصري، وعمر بكري فستق وأبو قتادة الفلسطيني الذي كان يوصف بسفير أسامة بن لادن في أوروبا، وأبو مصعب السوري، وغيرهم من المتطرفين.


لكن استضافتهم لم تكن مجانية، فقد تقاطعت المصالح في محاربة عدوّهم المشترك الاتحاد السوفياتي سابقاً. وبعد أن استنفدت هذه الظاهرة أغراضها وبات خطرها ينمو في أحشائها، رسمت لندن لنفسها استراتيجية مرحلية تنطلق من التحجيم ثم التخلص من المتطرفين في مرحلة لاحقة.
ظنت المملكة المتحدة أن اللعبة قد انتهت وأنها طوت صفحة الماضي بعد أن تخلصت من أبرز دعاة التطرف الإسلامي، لا سيما أبو حمزة المصري وأبو قتادة الأردني وغيرهما، لكن ظهور الداعية الإسلامي المتشدد أنجم تشودري أعاد خلط الأوراق من جديد. تشودري الذي يتمرتس في تطرفه خلف خبرته القانونية، لم يخف إعجابه بتنظيم «داعش» ودعوته إلى تطبيق حكم الخلافة. نشاط الداعية المتطرف لا يقتصر على الساحة البريطانية، بل وصل إلى أوروبا، لا سيما بلجيكا والنروج التي زارها عدة مرات أثناء حملاته الدعوية. تشودري الذي أنشأ مع عمر بكري فستق جماعة «المهاجرون» المحظورة، لا يخفي علاقته بأربعين جماعة في بلدان مختلفة، لكنه ينفي أنه يديرها أو يرسل الجهاديين للقتال.
وعلى الرغم من أن آراءه المتطرفة وصلته بمنظمات مشبوهة، لا سيما جماعة «أمة النبي» النروجية، لا يزال يعيش طليقاً. فالسلطات البريطانية التي احتجزت جواز سفره، بعد أن أعلن نيته السفر إلى سوريا للعيش تحت راية «داعش»، تعكف على دراسة استنباط الطرق الناجعة للتعامل مع هذه المعضلة.


بحسب الأرقام غير الرسمية،
أكثر من ألفي بريطاني يقاتلون في سوريا والعراق


حاولت الحكومة البريطانية مع بداية الأزمة السورية عام 2011 التخلص من المتشددين لديها من خلال سياسة غض الطرف عن ذهاب المئات من الشباب البريطاني المسلم للقتال في سوريا، لكن حساباتها لم تكن دقيقة؛ فالنظام السوري لم يسقط، وأحلام التخلص من المتطرفين تحولت إلى كابوس يقضّ مضاجعها.
فالأجهزة الأمنية البريطانية في البداية لم تكن تدرك حجم خطورة ظهور تنظيم «داعش» وامتداد أذرعه إلى بريطانيا إلا بعد مقتل الجندي البريطاني لي ريغبي في 22 أيار 2013. مشهد قطع رأس الجندي البريطاني في وضح النهار في أحد شوارع العاصمة لندن على أيدي المتطرفين الإسلاميين مايكل أديبولاجو ومايكل اديبوالي رسّخا في أذهان الرأي العام البريطاني أسلوب «داعش» في القتل.
حادثة مقتل الجندي البريطاني أمام الثكنة العسكرية في لندن دفعت حكومة دايفيد كاميرون إلى مراجعة حساباتها، خصوصاً بعد تزايد أعداد المقاتلين في صفوف «داعش» في سوريا والعراق التي وصلت بحسب آخر التقديرات الرسمية البريطانية إلى 700 مقاتل، رغم أن الأرقام غير الرسمية تشير إلى وجود أكثر من ألفي بريطاني يقاتلون في صفوف الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق.
أمام هذا التطور الخطير، وضعت المملكة المتحدة مسألة الحدّ من تزايد أعداد المقاتلين البريطانيين في صفوف «داعش»، فضلاً عن عودتهم إلى البلاد، على رأس أولوياتها، فاتخذت سلسلة من الإجراءات الأمنية والسياسية، من بينها رفع مستوى التهديدات الإرهابية من «خطير» إلى «شديد»، سحب الجنسية البريطانية من الذين يسافرون للقتال في سوريا والعراق، والقيام بحملات اعتقال للمشتبه فيهم وإخضاعهم لبرامج إعادة التأهيل.
لكن رغم كل هذه الإجراءات بقيت التهديدات الأمنية قائمة وعاجزة عن إبعاد شبح الإرهاب عن الشوارع البريطانية. فمحاربة التطرف والإرهاب لا تقتصر على دور الحكومة والأجهزة الأمنية فحسب، بل تتطلب تعاون الأفراد والعائلات داخل المجتمع؛ هذه أول إشارة تضمنها الخطاب الذي ألقته وزيرة الداخلية البريطانية تيريزا ماي في رسم استراتيجية جديدة لمحاربة هذه الظاهرة. المخاوف الأمنية البريطانية تضاعفت مع تطور مفهوم «هجمات الذئب المتوحش» التي يشنها أفراد من دون انتماء إلى منظمات إرهابية أو تخطيط مسبق أو تخطيط لفترة قليلة قبلها، وهو ما تؤكد أجهزة الأمن صعوبة رصدها وإيقافه.
مع عودة المحافظين إلى الحكم متسلحين بالأغلبية بعد الانتخابات الأخيرة، وضعت حكومة كاميرون على سلّم أولوياتها محاربة التطرف من خلال مشروع قانون جديد يمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات إضافية من دون أن تقلق من اعتراضات الأحزاب السياسية المعارضة. المشروع الذي لم يقرّ بعد في البرلمان، يستند في أغلبه إلى الإجراءات التي كانت قد أعلنتها وزيرة الداخلية تيريزا ماي قبل حملة الانتخابات النيابية، ويتمثل مشروع القانون الجديد في ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: تشديد الرقابة على المهاجرين إلى بريطانيا.
ثانياً: حظر المنظمات المتطرفة ومنح أجهزة الأمن صلاحية أوسع لرصد الاتصالات وتخزين بيانات المشتبه فيهم في إطار خطوات أسرع وإجراءات أشمل لتتبّع حركة الإرهابيين وإحباط هجمات محتملة.
وثالثاً: إلغاء المقار التي يشتبه في تحريضها على التطرف وتبني إيديولوجية الكراهية، وبالتالي ستكون المدارس والخدمات الصحية والجامعات ملزمة قانوناً بمراقبة الطلبة والمرضى لرصد أي بوادر لـ«التطرف» أو التحول إلى «الراديكالية». إلى جانب ذلك، سيكون في مقدور السلطات البريطانية صلاحيات تسمح بإغلاق مساجد والرقابة على الوسائل الإعلامية التي تتهم ببث مواد متطرفة.
ارتباك رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في التصدي لحملات «داعش» في تجنيد الشباب المسلم البريطاني في صفوفه دفعه إلى تحميل الجالية المسلمة مسؤولية التطرف والانضمام إلى التنظيم بسبب تغاضي الجالية عن الفكر المتطرف بدلاً من مواجهته. تصريحات كاميرون أثارت غضب الجالية المسلمة في بريطانيا التي طالبته بالكف عن شيطنة المسلمين.
كاميرون فاته أن «داعش» وإن كان تنظيماً تابعاً للعصور الوسطى في شكله، لكنه حداثي في تكتيكاته، خاصة مع استعماله لشبكة الإنترنت كأداة رئيسية لنشر أفكاره الجاذبة للشباب المسلم المهمّش في الغرب.
ظاهرة ترك الشباب المسلم البريطاني حياة الرغد والرفاهية والتوجه إلى ساحات القتال أصبحت أمراً يشغل بال الأجهزة الأمنية والرأي العام في معرفة الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك. اختلفت الآراء حولها، الأصوات اليمينية لامت الثقافة الليبرالية البريطانية، محاججة بأن القوانين لم تكن متشددة بما يكفي لدحر التطرف، بل تدّعي أن التعددية الثقافية قد جعلت من المستحيل التصدي لأشخاص يدينون بعقيدة مختلفة.
وهناك من يسعى إلى تبرير هذه الظاهرة الخطيرة على أساس غضب الشباب المسلم في بريطانيا من سياساتها الخارجية. ويستند هذا الرأي إلى تحذير اليزا مانينغهام بولر، رئيسة جهاز الاستخبارات الداخلية (ام اي 5) السابقة، التي حذرت من «أن الحرب على العراق ستزيد من حجم الإرهاب». ففي نيسان 2005 مثلاً، ذكرت لجنة المخابرات المشتركة في تقرير تم تسريبه في العام التالي، أن النزاع في العراق «فاق خطر الإرهاب الدولي، وأنه يواصل تأثيره في الأجل الطويل، ذلك أنه قوّى عزيمة الإرهابيين الذين كانوا قد التزموا بالفعل بمهاجمة الغرب وحفّز آخرين لم يكونوا كذلك».
وهناك رأي آخر يلقي باللوم على الفقر أو التهميش وغيرهما من الظروف المعيشية التي يعيش فيها مسلمو بريطانيا، إلا أن بعض من التحقوا بـ«داعش» ينحدرون من أسر ميسورة ومندمجة في المجتمع البريطاني بشكل تام. الأخطر أن هناك من يلمّح الى أن الإسلام فكر يشجّع على الإرهاب والتطرف، رغم إدانة واستنكار ملايين المسلمين شعوباً وحكومات ومفكرين لفكر «داعش» وغيره من التنظيمات المتطرفة.
في ظل هذه الآراء المختلفة، تسعى السلطات البريطانية إلى البحث عن الاستراتيجيات المناسبة لمواجهة تعاطف مواطنيها مع مقاتلي التنظيم، موضحةً أن الشباب المسلم ما زالوا يواصلون الهجرة إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، رغم الجهود العسكرية والأمنية والدعائية الكبيرة. حرب الاستنزاف مع «داعش» دفعت جهاز الاستخبارات البريطاني «أم أي 5» إلى الإشارة في تقرير له إلى صعوبة تحديد الأسباب التي تدفع ببعض الشباب المسلم إلى التطرف والالتحاق بالحركات الجهادية.
وسط هذه الآراء المختلفة، يمكن إجمال عدد من الوسائل لمحاربة ظاهرة «داعش» داخل المجتمع البريطاني:
أولاً: مختلف المؤسسات الرسمية والمجتمعية والإعلامية في بريطانيا تكاد تُجمع على أن السبيل لكسب «حرب الاستنزاف» مع التنظيمات الإرهابية التي تستهدف الشباب المسلم البريطاني لا يكون إلا بدعاية مضادة تتوجه إلى الشباب. فصحيفة «دايلي تلغراف»، على سبيل المثال، رأت أن «داعش» يوظف العمليات الانتحارية المصورة لا لتحقيق مكاسب ميدانية في ساحات الصراع وحسب، بل كأداة في حرب الدعاية والتجنيد على شبكة الإنترنت، وبالتالي لا بد من مواجهة هذه الأداة بأدوات وأساليب مماثلة تدحض الدعاية الإرهابية المتطرفة، وتكشف الأكاذيب والأضاليل التي تروّجها التنظيمات الإرهابية بهدف السيطرة على عقول الشباب وقلوبهم بهدف تجنيدهم وحثّهم على التوجه إلى ساحات القتال والانضمام إلى «داعش» لـ«الجهاد في سبيل الله».
ثانياً: محاربة التطرف تبدأ أيضاً من دور الأسرة والمدرسة وبالمزيد من التواصل مع الشباب لإخراجهم من عزلتهم وعدم تركهم في فراغ تشغله التنظيمات الإرهابية التي بات لها الإمكانيات المتقدمة والمهارات العالية للوصول إلى الشباب وترويج أفكارها الدعائية الخطيرة.
إزاء هذه التطورات المتسارعة، باتت الحكومة البريطانية أمام معضلة جوهرية، وهي ليست في التخلص من أفراد متشددين فحسب، بل أيضاً من الإيديولوجيا المتطرفة نفسها التي نمت وتغذت في أحشائها. لذا فهي تسعى اليوم إلى نفض غبار التطرف عنها وإعادة تأسيس جيل جديد من الشباب المسلم بعيداً عن أجواء التطرف والإرهاب. ولعل المنهاج الديني الذي وضعه العالم الباكستاني محمد طاهر القادري بحضور قادة سياسيين وعسكريين بريطانيين في لندن، في حزيران من العام الحالي، يتناسب مع هواجس المملكة في مكافحة الإرهاب من خلال تدريب الأئمة والمشايخ والاساتذة والشباب على مجموعة واسعة من التعاليم الدينية والإيديولوجية لمحاربة التطرف الداعشي.



علم «داعش» يرتفع أمام البرلمان

أثار تجوال رجل برفقة طفلته رافعين علم «داعش» أمام مقر البرلمان البريطاني وسط لندن موجة اعتراضات لموقف الشرطة التي لم تعترضه.
وذكرت صحيفة «دايلي ميل» أن الرجل كان يسير واضعاً علم «داعش» على كتفيه، حاملاً طفلته الصغيرة، التي كانت تحمل بدورها نسخة أصغر للعلم.
الشرطة اكتفت بتوقيف الرجل من دون اعتقاله، لأن أفعاله كانت «في إطار القانون»، بحسب المتحدث باسم الشرطة، كذلك فإنها لم تكشف عن هويته.
ونقلت عدة وسائل إعلام بريطانية عن متحدث باسم شرطة سكوتلاند يارد قوله إن «الضباط تحدثوا مع الرجل، مع الأخذ في الاعتبار قانون النظام العام، والرجل كان يتصرف في إطار القانون، ولم يتم اعتقاله».
وأضاف: «ارتداء أو حمل أو عرض شعار أو علم، ليس جريمة ما لم تبين الطريقة التي ارتدى فيها الشعار أو العلم، أو تم عرضها على نحو يثير شبهة بأن الشخص مؤيّد أو عضو في منظمة محظورة».
وأثار قرار الشرطة عدم اعتقال الرجل عاصفة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال كثيرون إن ما أقدم عليه يجعلهم يشعرون بعدم الأمان في شوارع بريطانيا.
(الأخبار)