أثار تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس، بشأن احتمال قيام أنقرة وطهران بعملية مشتركة ضد جماعات كردية اهتمام العديد من المتابعين، وهو تصريح قد يُعدُّ بمثابة الحدث، نظراً إلى أنه يعاكس في الظاهر مجرى العلاقات المتوترة بين العاصمتين في المرحلة الأخيرة، خاصة في الملفين العراقي والسوري.


وقبيل توجه الرئيس التركي إلى الأردن في زيارة استمرت لساعات قليلة، أعلن أمام الصحافيين في معرض ردّه على سؤال بشأن «وجود خطة تركية للقيام بعملية ضد حزب العمال الإرهابي في جبال قنديل وسنجار في العراق، وتواتر أنباء حول اتخاذ قرار بهذا الخصوص خلال زيارة رئيس أركان القوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري، الأسبوع الماضي»، أنّ القيام بعملية مشتركة مع إيران «ضد المنظمات الإرهابية وارد في أي لحظة». وبينما أكد أنّ قادة جيشي البلدين ناقشوا كيفية العمل، لفت إلى أنّ «العمل سوف يستمر، إذ إنكم تعرفون أنّ لحزب العمال الكردستاني الإرهابي موطئ قدم في إيران»، في إشارة إلى «حزب الحياة الحرة الكردستاني» الذي قتل اثنين من حرس الحدود الإيراني في نهاية شهر أيار الماضي، في عملية وقعت عند الحدود المشتركة مع تركيا.
وأكمل الرئيس التركي مشيراً إلى أنّ تلك الأطراف «تتسبب دائماً بالأذى لنا ولإيران، ونحن نعمل لأننا نعتقد أنه في حال تعاون البلَدان سنصل إلى نتيجة في وقت أسرع»، معرباً في الوقت نفسه عن «الأمل بأن نحقق نجاحاً في هذا المجال».
وتكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تأتي بعد أيام قليلة من زيارة اللواء باقري التي تُعدُّ «الأولى لمسؤول عسكري إيراني إلى تركيا منذ الثورة في عام 1979، ولأنها تأتي في خضم تطورات عسكرية وسياسية كبرى في الشرق الأوسط»، وفق ما يقول الباحث التركي أحمد ماجديار. وكانت صحيفة «صباح» التركية قد نقلت عن دبلوماسي قوله: «ما كان لهذه الزيارة أن تتم لو لم يُظهر الجانبان استعدادهما للتعاون وللتوصل إلى اتفاقات إقليمية».
وسبق «الزيارة الإيرانية» إعلان تركيا، في الأسبوع الثاني من هذا الشهر، البدء بـ«بناء جدار عازل على الحدود مع إيران، يغطي مسافة 144 كلم من أصل حوالى 500 كلم، وسيتم إنجازه على خمس مراحل، ومن المفترض أن يتم الانتهاء من المرحلة الأولى في تشرين الأول المقبل»، وهو الأمر الذي رحّبت به الخارجية الإيرانية باعتبار أنه «يرمي إلى زيادة الأمن الحدودي بين البلدين... وإنّ ضمان ذلك، هو في كل الأحوال مسألة مهمة بالنسبة لنا وللأتراك»، علماً بأنّ تركيا وإيران توصلتا منذ 2014 إلى اتفاق (جديد) لتأمين الحدود المشتركة التي ينتشر فيها بصورة خاصة «المكوّن الكردي».
وبالتزامن مع تصريحات أردوغان، كان لافتاً أنّ اللواء محمد باقري كشف في تصريحات نقلتها الوكالات الرسمية الإيرانية، أمس، أنّ رئيس أركان الجيش التركي خلوصي اكار «سوف يزور إيران قريباً لاستكمال المباحثات». وأضاف على هامش تفقده مقر قيادة حرس الحدود، «بحثنا خلال لقائنا برئيس أركان الجيش التركي قضايا الحدود، وتم التوصل الى اتفاقات جيدة... بدأت تركيا بإغلاق ممرات التهريب ونحن نرحّب بهذا الإجراء... وتم التوصل إلى اتفاق جيد حول محاربة الإرهاب على الحدود المشتركة ومنع عبور الإرهابيين».
وبطبيعة الحال، أكد المسؤول العسكري الإيراني تلاقي مقاربة العاصمتين بخصوص استفتاء إقليم كردستان المرتقب إجراؤه (مبدئياً) الشهر المقبل، وكرر ما أعلنه سابقاً لناحية أنّه «لا ينبغي تغيير الجغرافيا السياسية لدول المنطقة، ومنها العراق، بأي شكل من الأشكال». ويُعتبر هذا الأمر «خطاً أحمر» بالنسبة إلى العاصمتين، وفق تعبير دبلوماسي إيراني.
وتُعدُّ هذه التصريحات إعلاناً أول من الجانبين عن عودة التنسيق بينهما بشأن «الملف الكردي»، الأمر الذي كان قائماً قبل عام 2011 وكانت سوريا تُعدُّ طرفه الثالث. وقد تنبئ هذه التصريحات أيضاً بأنّ التعاون سوف يتسع في المرحلة المقبلة بين الدولتين، إذ إنّ هناك من يرى أنّ «الأمر الواقع بات يفرض ذلك، خاصة بعد ارتفاع مستوى التنسيق الروسي ــ الأميركي في سوريا، بما قد يعارض في بعض الجوانب مصالح الطرفين».


جنرال إيراني: أجرينا
مباحثات مفيدة وكاملة
بشأن الأمن الإقليمي


وتقول الصحافية التركية أمبرين زمان إنّ زيارة المسؤول العسكري الإيراني جاءت في وقت «تبحث فيه الولايات المتحدة وروسيا عن طرق لإنهاء النزاع (في سوريا)، وتعقدان، وفق نظرة إيران وتركيا إلى الأمور، اتفاقات من وراء ظهريهما، (ولذا) تبدو طهران وأنقرة توّاقتَين إلى إظهار الوحدة بينهما».
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أنّ اللواء باقري ذهب في تصريحه أمس إلى الإعلان عن أنّه أقيمت أثناء زيارته «مباحثات مفيدة وكاملة بشأن الأمن الإقليمي، وكذلك (بشأن) سوريا والعراق، كما تم الحديث عن دور إيران وتركيا في إرساء الأمن في سوريا وتقوية عملية أستانا من قبل القوات المسلحة في البلدين، كما تم الاتفاق حول منطقة إدلب وكذلك سيادة الدولة السورية في مناطق مختلفة شمال سوريا، حيث سيتم تنفيذ هذه الاتفاقات التي تمت بشكل عملي» (وفق ما نقلت وكالة تسنيم الإيرانية).
وبينما يعلّق مصدر إيراني على هذه التطورات قائلاً إنّ «المسألة أمنية أكثر من كونها سياسية، وترتبط بزيارة اللواء باقري»، فإنه يستدرك قائلاً إنّ «تصريحات أمس تحظى على المستوى السياسي بأهمية كبيرة، لثلاثة أسباب: أولاً، هي بداية مرحلة جديدة لإيجاد التعاون الإقليمي بين إيران وتركيا بعد مرحلة من الغموض السياسي في سياسة أنقرة تجاه طهران؛ ثانياً، لأنّ موضوع التعاون يشمل أهم التحديات الإقليمية، بما فيها الإرهاب، والقضية السورية، وغيرهما؛ ثالثاً والأهم، الارتباط بالمسألة الكردية، وتحديداً التغيير الجيوسياسي الذي يمكن أن يطرأ في المنطقة في ظل التطورات الكردية».
وثمة من يعتقد أنّ العاصمتين «اللتين كانت أيضاً الأزمة الخليجية وحصار قطر قد أعادا تفعيل الخط الساخن بينهما بقدر أعلى من السابق»، باتتا مضطرتين إلى رفع مستوى التعاون في هذا الظرف الإقليمي. ويشدد هؤلاء على أنّ تركيا بحاجة «بصورة خاصة إلى ذلك، بعدما ارتفع التوتر بينها وبين واشنطن بشأن المسألة الكردية في سوريا».
ومنذ نحو عام، ولأسباب تبدأ بالتباين مع واشنطن بخصوص «طرق التعامل مع أكراد سوريا» ولا تنتهي عند مفاعيل محاولة الانقلاب الفاشل وارتفاع اللهجة الغربية المندّدة بـ«الاستبداد التركي»، بات واضحاً أنّ أردوغان يسعى إلى تثبيت صورته القومية في الذهن التركي. ولعلّ لهجته المرتفعة ضد المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، قبل أيام قليلة، تعكس ذلك بوضوح.
ويرى الباحث التركي سونر جاغايتاي أنّ «ما نراه في الأزمة القائمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي والدول الغربية الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، هو تغير زلزالي»، ما يدفع أردوغان إلى البحث عن ركائز «شرقية» لسياسته الخارجية. ولا شك في أنّ الرئيس التركي يلقى دعماً داخلياً لتوجهاته الجديدة، إذ «منذ الانقلاب الفاشل ضده، برزت نظرية جديدة بين مؤيديه أطلقوا عليها اسم الأردوغانية، تعتبر أردوغان شخصية تاريخية ستجعل الأتراك عظماء وتعيد الفخر إلى المسلمين، وأنه لا بدّ من تأييده ودعمه، ليس لأنه بحاجة إلى تأييد شخصي، بل لأن هذه هي الطريقة التي تدعم مثل هذا المشروع التاريخي العظيم»، يقول جاغايتاي، مضيفاً أنّ «الأردوغانية» ترتكز على «مزج الإسلام السياسي والقومية التركية تحت شخص أردوغان... (الذي) يحمي تركيا والعالم الإسلامي من الهجمات الأجنبية، وهؤلاء الأجانب هم عادةً الغربيون».
وقد تتضح توجهات أردوغان «الجديدة» في القضية الفلسطينية، خاصة في خلال الأحداث الأخيرة التي شهدها المسجد الأقصى ومحيطه في القدس المحتلة، وذلك على الرغم من أنّ علاقات أنقرة بتل أبيب جيّدة في هذه الفترة. ولعلّ أثناء زيارته أمس للأردن التي تُعدُّ وصيّة على «المقدسات الإسلامية في القدس»، أراد الرئيس التركي استعراض هذه التوجهات.
ومن المعروف أنّ اللهجة التركية تجاه إسرائيل غالباً ما تكون مرتفعة في العلن، لكنّ توجه أردوغان شخصياً إلى عمّان في زيارة تتزامن والذكرى الـ70 على إقامة العلاقات الثنائية، هو أمر يحمل الكثير من الدلالات الرمزية.
ومن العاصمة الأردنية أعلن خلال لقائه الملك عبدالله الثاني: «أدرك جيداً الحساسية التي يظهرها أخي العزيز (الملك عبدالله)، وتحديداً بخصوص فلسطين، وسنواصل دعم الدور الأردني في ما يتعلق بحمايتها للأماكن المقدسة الإسلامية... وسوف نواصل العمل معاً لمنع تكرار الاعتداءات وانتهاكات الحقوق التي وقعت في الحرم الشريف الشهر الماضي». وقال أيضاً إنّ «العالم الإسلامي يعيش أياماً عصيبة، ويجب أن نستمر في تضامننا بمزيد من الدقة... والطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو زيادة المشاورات، وتعزيز آليات التعاون في ما بيننا».




«الإخوان»... يجمعون؟

منذ بداية «الأزمة الخليجية» في نهاية شهر أيار الماضي، أشار كثرٌ إلى أنّ تقارباً (وليس تحالفاً) «إيرانياً ــ تركياً ــ قطرياً سوف ينشأ»، خاصة أنّ «الأطراف الثلاثة يجمعها تبنّيها لحركات الإسلام السياسي، وأنّ إيران لا تمانع عودة العلاقات الجيدة مع الإخوان المسلمين».
هناك بعض المؤشرات في العراق (أو خارجه) التي تقود إلى التثبت من صحة هذه الفرضية، لكن من المهم الإشارة إلى أنّ عواصم عربية مثل القاهرة تستخف بفرضيات كهذه، على اعتبار أنّ «الإيرانيين يجيدون رفع الشعارات، في وقت أنّ علاقتهم بالإخوان غير جيدة حالياً، باستثناء بعض الوجوه ربما».
ويستذكر دبلوماسي مصري زيارة الرئيس «الإخواني» محمد مرسي لطهران في صيف 2012. ويقول: «حاول الإيرانيون إضفاء طابع مميز، وإظهار أنّ هناك علاقة ممتازة مع إخوان مصر، لكن حين جاء أحدهم وقال لمرسي في مقر إقامته إنّ السيد خامنئي يريد لقاءك، كان ردّه بارداً، وقال مازحاً: أنا رئيس أشوف رئيسكم، ولدينا مرشد (مرشد الإخوان) يشوف المرشد عندكم».