قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استراتيجية جديدة للولايات المتحدة في أفغانستان تقضي، خصوصاً، بإرسال مزيد من الجنود، في ما يشكّل تناقضاً جديداً مع تصريحات أطلقها أثناء حملته الانتخابية وقبلها.


وفي خطاب استمر نحو عشرين دقيقة، مارس ترامب ضغطاً على باكستان، معتبراً أنها «غالباً ما تشكّل ملجأً لعناصر الفوضى والعنف والترهيب». ولم يحدّد أي أرقام بشأن مستوى الانتشار العسكري في أفغانستان وأي مهلة زمنية له، معتبراً أن الدخول في هذه التفاصيل يعطي «نتائج عكسية». لكنّه أكد قناعته بأن انسحاباً متسرعاً من هناك سيوجد فراغاً يستفيد منه «الإرهابيون» من عناصر «القاعدة» و«داعش».
ويبدو أنّ هذا القرار قد سبقته نقاشات كثيرة، دفعت الرئيس إلى الرضوخ في النهاية لرغبة جنرالاته، وهو ما أشار إليه عدد من الخبراء الذين أكدوا أن هذه الاستراتيجية هي تحديداً ما يدعو إليه الجيش الأميركي. ووفقاً للخبير في مكافحة الإرهاب ديفيد كيلسولين، فقد كان الجيش الأميركي هو الفائز في نقاش بين البنتاغون ووزارة الخارجية، التي دعت إلى التركيز على الشق الدبلوماسي في مقاربة الأزمة الأفغانية.
وأكدت صحيفة «واشنطن بوست» هذه النظرية، موضحة أن ترامب وافق على زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، بعد مداولات مطوّلة أدت إلى انقسامات عميقة في إدارته. وأشارت الصحيفة إلى أن المستشارين المتخاصمين في ما بينهم مارسوا ضغوطاً على ترامب، الذي وجد نفسه بين مدافعين عن التدخل العسكري وآخرين مناهضين له. وأضافت الصحيفة أن «ترامب اختار، في النهاية، طريقاً تقليدياً، ومال إلى الجنرالات الذين يسيطرون الآن على الدائرة المقرّبة منه، والذين يدعون إلى زيادة عدد القوات على أوسع نطاق»... إلا أنه لم يذهب في اتجاه إضافة عشرة آلاف جندي، وهو العدد الذي كان يطالب به هؤلاء.


توعّدت حركة «طالبان»
الأميركيين بـ«مقبرة جديدة»


ارتدت هذه الضغوط رداءً أكثر دبلوماسية، في خطاب ترامب الذي ألقاه ليل أول من أمس من قاعدة فورت ماير إلى جنوب غرب واشنطن. وفي بادرة نادرة، أقرّ صراحة بتبديل موقفه حيال هذا الملف الشائك، فقال: «حدسي الأساسي كان الانسحاب، لكن القرارات تكون مختلفة جداً حين نكون في المكتب البيضاوي». وطالما أيّد ترامب، قبل وصوله إلى البيت الأبيض، انسحاب بلاده من أفغانستان. وكتب على صفحته عبر موقع «تويتر» في كانون الثاني 2013: «لنغادر أفغانستان»، مضيفاً أن «قواتنا تتعرّض للقتل بيد أفغان تولّينا تدريبهم، ونحن نهدر المليارات هناك. هذا عبث. يجب إعادة إعمار الولايات المتحدة».
مواقف ترامب من أفغانستان تدرّجت منذ ذلك الوقت، لتصل خلال حملته الانتخابية إلى عدم التعهّد بالخروج من أفغانستان. وإذا كان قد صرّح في إحدى المناسبات بأنه لن ينسحب مباشرة من هناك إذا أصبح رئيساً، فقد وصل في خطابه الأخير إلى ذروة التغيير، ملوّحاً بزيادة عديد القوات الأميركية هناك. وفيما آثر عدم الكشف عن نياته العسكرية هناك، أكّد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس أن القوات على الأرض ستُعزَّز. واستناداً إلى مسؤولين كبار في البيت الأبيض، سمح ترامب لوزارة الدفاع بنشر ما يصل إلى 3900 جندي إضافي. وقال في بيان: «سأتشاور مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي وحلفائنا الذين تعهّد الكثير منهم زيادة عديد الجنود المنتشرين» في أفغانستان.
من جهة ثانية، ترك الرئيس الأميركي الباب مفتوحاً على إمكان إجراء حوار مع بعض من عناصر حركة «طالبان». وقال: «في وقت من الأوقات، وبعد جهد عسكري ناجح، قد يكون من الممكن أن يكون هناك حلّ سياسي يشمل جزءاً من طالبان أفغانستان». وكان وزير الخارجية ريكس تيلرسون، قد شدّد في بيان على أن الولايات المتحدة «مستعدة لدعم محادثات سلام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بلا شروط مسبقة».
من جهتها، سارعت الرئاسة الأفغانية إلى الترحيب بقرار ترامب، فيما توعّدت حركة «طالبان» الأميركيين بـ«مقبرة جديدة» رداً على هذا الإعلان.
في غضون ذلك، رأى عدة خبراء أن مقاربة ترامب لا تحمل أي جديد، وهي لا تعدو تتضمن «إجراءات سبق أن جُرِّبَت في الماضي»، بحسب ما قال البروفيسور جيمس در ديريان من مركز دراسات الأمن الدولي في جامعة سيدني. أما المتخصص في شؤون الدفاع الأفغانية فدا محمد، فقد رأى أن خطاب ترامب كشف عن «خطة طوارئ (أكثر من) استراتيجية طويلة المدى».
(الأخبار، أ ف ب)