بدأت المفاعيل الإعلامية لما بعد الاتفاق تتوالى في الساحة الإسرائيلية، لتراوح التعليقات بين من يستشرف الخيارات السياسية أمام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بعد استنفاد التلويح بالخيار العسكري، الذي ثبت فشله في تحقيق أهدافه النهائية والمأمولة، طوال السنوات الماضية. ورأت صحيفة «هآرتس» أن معركة نتنياهو المصيرية ستكون في ساحات الكونغرس، خصوصاً أن مسألة التوصل إلى الاتفاق هي مسألة أيام وليست أسابيع. واختارت الصحيفة المقربة من نتنياهو، «إسرائيل هيوم» الدفاع عن خياراته الفاشلة وإلقاء التهمة على الدول الغربية، التي قرّرت تحويل الغرب إلى سجادة فارسية يسير عليها قادة النظام السياسي في طهران، وصولاً إلى القنبلة النووية، وهم يضحكون عالياً. أما «يديعوت أحرونوت»، فقد أقرّت بأن إسرائيل خسرت المعركة في مواجهة إيران.


يبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية لم ينتظر إعلان الاتفاق النووي بين إيران والسداسية الدولية، حتى يبادر إلى تسريع استعداداته لشنّ «حرب عالمية» على توجه الدول الكبرى للإقرار وشرعنة البرنامج النووي الإيراني. لكن هذه الحرب لم تنفذ، كما ذكرت «هآرتس»، بواسطة طائرات حربية تقصف المنشآت النووية في نتانز وفوردو، بل عبر الهجوم على مقر الكونغرس في الكابيتول. وهدف الهجوم ليس تدمير المنشآت وأجهزة الطرد المركزي فيها، بل تجنيد عدد كاف من أعضاء الكونغرس للتصويت ضد الاتفاق النووي المفترض مع إيران، عندما يعرضه الرئيس الأميركي باراك أوباما على الكونغرس لإبداء موقفه منه.
ومن الطبيعي في هذه المعركة أن يُظهر نتنياهو قدراً من التفاؤل بتحقيق نتائج إيجابية، وإلا تكن المعركة قد انتهت سلباً قبل أن تبدأ. وعلى هذه الخلفية، ذكر معلق الشؤون الأمنية في صحيفة «هآرتس» باراك رابيد، استناداً إلى مصدر إسرائيلي، قوله إن نتنياهو يبدي تفاؤلاً إزاء فرص نجاح هذه الخطوة. وأضاف المصدر أن نتنياهو أكد، خلال محادثاته مع زعماء يهود أميركيين في الأيام الماضية، أن الحديث لا يدور عن معركة خاسرة. يوضح نتنياهو للذين يتحدثون معه، أنه بالعمل الصحيح سيكون ممكناً إقناع ما يكفي من المشرّعين الديموقراطيين من ذوي الوزن السياسي، لدفعهم إلى معارضة الاتفاق.
أما عن رصاصة البداية، فقد أوضح رابيد أن تقدير نتنياهو والساحة الإسرائيلية هو أن تحقيق الاتفاق النووي الشامل هو مسألة أيام لا أسابيع. ورأت الصحيفة أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاق، قبل التاسع من تموز الحالي، يمكن أن تفضل الإدارة مواصلة المفاوضات وعدم عرض الاتفاق، على الأقل، إلى حين عودة الكونغرس من الإجازة في التاسع من أيلول المقبل. والسبب رغبة البيت الأبيض في منح المشرعين الحد الأدنى من الوقت، أي ثلاثين يوماً مقررة في القانون لإجراء رقابة وفحص دقيقين للاتفاق. في المقابل، لو جرى عرض الاتفاق، قبل العودة من الإجازة، سيكون لمعارضيه فترة زمنية طويلة كي يحاولوا إحباطه في الكونغرس.
ونقلت «هآرتس» عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى على اطلاع في الموضوع النووي، قولهم إن هناك حالة من عدم اليقين كبيرة في إسرائيل. ولفتت إلى أن أحد أسباب هذا الوضع، يعود إلى أن الاتصالات بين نتنياهو ورجاله، وبين إدارة أوباما في الموضوع الإيراني لا تكاد تكون قائمة، في الأسابيع الثلاثة الأخيرة. وأشارت إلى أن المرة الأخيرة، التي جرى فيها حديث معمّق في هذا الموضوع، كانت أثناء زيارة مستشار الأمن القومي يوسي كوهن لواشنطن، منتصف حزيران الماضي، ولم تحقّق الزيارة أية نتائج، فكما سافر كوهن، عاد.
في الإطار ذاته، هناك بين رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، نوع من القطيعة شبه التامة، فقد أشارت الصحيفة إلى أنه منذ الجولة الحاسمة من المحادثات، قبل عشرة أيام، لم يتحدث مع نتنياهو هاتفياً ولا مرة، كذلك لم يبذل رئيس الوزراء محاولات إضافية للتواصل مع كيري هاتفياً.
وختمت الصحيفة أن الطرفين باتا يفهمان أنه في المرحلة الحالية لا يوجد ما يمكن الحديث فيه، فالمواقف معروفة، ولا أحد منهما يدّعي أنه سيقنع نظيره، وكل ما بقي لأوباما ونتنياهو أن يفعلاه هو أن يتسلحا ويتزودا بخوذة وسترة واقية، لتجنيد كل القوى ولتخطيط المعركة الإعلامية والسياسية، التي ستبدأ على أرض واشنطن، فور إعلان الاتفاق في فيينا.
من جهتها، حاولت صحيفة «إسرائيل هيوم» الرد على الاتهامات التي حمَّلت رئيس الوزراء مسؤولية فشل إسرائيل وما آلت آليه المفاوضات النووية مع إيران. ورأت أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية قررت الخضوع لمطالب الإيرانيين، لكونها لا تملك الإرادة والقدرة «على مواجهة رأس أخطبوط الإرهاب العالمي». وعزت ذلك إلى أن أوباما مشغول، في أواخر ولايته، بالإرث الذي سيتركه، وليس لديه إحساس بالمسؤولية، «يمكن توقعه من زعيم العالم الحر». ولفتت الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي وممثلي الدول العظمى قرروا، على ما يبدو، تحويل الغرب إلى «سجادة فارسية يسير عليها آيات الله من طهران إلى القنبلة النووية وهم يضحكون عالياً».
صحيفة «يديعوت احرونوت» رأت، بقلم معلقها العسكري اليكس فيشمان، أن إسرائيل خسرت المعركة في المواجهة مع إيران، التي استمرت نحو 15 عاماً، على خلفية تطوير برنامجها النووي. وأضافت أن الأجهزة الأمنية مشغولة، منذ الآن، باليوم الذي يلي الاتفاق: «كيف ستبدو سلة التعويضات التي ستطلبها إسرائيل من الولايات المتحدة، وماذا ستكون الاستراتيجية الإسرائيلية في العصر الجديد، وماذا سيكون حجم الميزانية حيال التهديد الإيراني».
ورأت «يديعوت أحرونوت» أن الإيرانيين يواصلون، حتى اللحظة الأخيرة، «التنكيل بالأميركيين، خصوصاً بعدما طرحوا مطلباً جديداً، فجأة، لم يكن جزءاً من المفاوضات». وتساءلت عما إذا كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قد أدخل بذلك «عنزة» لرفع كل القيود المفروضة على إنتاج الصواريخ الباليستية، وعما إذا كانت هذه «عنزة» حقيقية أو لانتزاع المزيد من المطالب من الغرب. ورأت أن «الإيرانيين يواصلون الضغط وهم سيفعلون ذلك حتى بعد خمس دقائق من انتهاء اللعبة والوقت الزائد، فقط لأنهم يستطيعون فعل ذلك».