تونس ــ الأخبار

رغم طول فترة إضرابها، ورغم تعكر وضعها الصحيّ، ورغم مكانتها الرمزيّة كمناضلة عتيدة ضدّ دكتاتوريّة نظام زين العابدين بن علي، لم تحظ راضية النصراوي بتفاعل رسميّ إيجابيّ مع مطلبها الوحيد والبسيط: الحصول على تبريرات مقنعة لتغيير الدولة جهة الحماية التي توفرها لزوجها حمّة الهمامي، المناضل اليساريّ والمتحدث الرسميّ باسم «الجبهة الشعبيّة»، من الأمن الرئاسيّ إلى وزارة الداخليّة.

قد يبدو مطلبها للوهلة الأولى ساذجاً، وقد يُقال إنّ ذلك أمر يعني أجهزة الدولة وتقديراتها؛ تجيب النصراوي: «أطلعونا على تلك التقديرات وينتهي الأمر». هل انتهت أو انخفضت التهديدات الأمنيّة؟ بدل الإجابة، يعمّ صمت مطبق. هنا قد يُطرح سؤال حول الفرق بين الحماية الأمنيّة التي تقدمها وزارة الداخليّة وبين تلك التي يقدمها الأمن الرئاسيّ، فكلاهما في النهاية جهاز أمني، وهنا يكمن مربط الفرس.
على مدار أربع سنوات، ومنذ اغتيال محمد البراهمي، الذي عقب اغتيال شكري بلعيد، وكلاهما قياديان في «الجبهة الشعبيّة»، تمتّع حمة الهمامي بحماية لصيقة وفرّها له الأمن الرئاسيّ. كان مرافقاً على مدار اليوم بعناصر الجهاز الذي يتبع مباشرة رئاسة الجمهوريّة، وهم عناصر مدربون أساساً لحماية الشخصيّات ومجهزون بعتاد موجّه لخدمة تلك المهمّة. أما عناصر الأمن، التي أوكلت لهم المهمّة، فهم يتبعون وزارة الداخليّة، وهم مدربون على الحفاظ على الأمن العام، ولا تتمثّل مهمتهم في مرافقة الهمامي مرافقة أمنيّة لصيقة على غرار أسلافهم، بل فقط مرافقته في أنشطته الرسميّة، وتأمين تنقلاته تلك باستعمال سيارة يوفرها هو وذلك بعد تقديم إعلام مسبق بتفاصيل النشاط.


يلقي الإضراب
الضوء على واقع استغلال جهاز الدولة المحايد نظرياً

إذنْ، الهدف المبطن من وراء القرار، وفق ما ذهبت له النصراوي وزوجها، هو خلق ثغرة أمنيّة في حياة الهمامي «عقاباً له» على سياسته المعارضة لرئاسة الجمهوريّة والحكومة، التي حرمتها «الجبهة الشعبيّة» بعدم مشاركتها فيها، من لقب حكومة الوحدة الوطنيّة التي تحب.
وللتدليل على الطابع «الانتقاميّ» للقرار، أشار الهمامي في تصريح صحافيّ إلى أنّ التغيير الطارئ لم يشمل غيره من الموجودين على قوائم التهديد الرسميّة، حيث تتواصل حماية الأمن الرئاسيّ لكلّ من راشد الغنوشي، رئيس حزب «حركة النهضة»، وحافظ قايد السبسي، نجل الرئيس والمدير التنفيذيّ لـ«نداء تونس». وواصل قائلاً إنّ «مفهوم الدولة وحيادها غائب على الماسكين بالسلطة»، مضيفاً أنّهم لا يتورعون عن استخدام جهاز الدولة لتصفية حساباتهم السياسيّة الضيّقة.
لا ينحصر إضراب النصراوي في مجرد رد فعل زوجة خائفة على سلامة زوجها، وهو خوف يبرره استمرار التهديدات، إنما يتجاوز ذلك ليلقي الضوء على واقع استغلال جهاز الدولة، المحايد نظرياً، في خدمة أجندة سلطويّة تهدف إلى فرض الطاعة السياسيّة على شخصيّة تتزعم أهم مكونات المعارضة البرلمانيّة والشعبيّة. وهي أجندة تتقدم بخطى حثيثة على أكثر من مستوى، لعل أهمّها الانتخابات البلديّة المزعم عقدها نهاية السنة الجارية والتي ستتم تحت إشراف «هيئة انتخابات» دون رئيس (استقال رئيسها بعد تطعيمها بعضو رأى أنّه موضع شبهات) وبقانون جماعات محليّة عتيق فصّله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، على مقاس نظامه عام 1974!