مرحلة جديدة من التوتر دخلتها شبه الجزيرة الكورية فجر أمس، إثر مفاجأة بيونغ يانغ للعالم بإطلاق صاروخ بالستي حلّق فوق اليابان قبل أن يسقط على مسافة 2700 كلم في البحر، وهو الحدث الذي أثار حراكاً دبلوماسياً واسعاً بين واشنطن وحلفائها الإقليميين، انتهى بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ «كل الخيارات باتت مطروحة».


وكانت كوريا الشمالية قد أجرت في الشهر الماضي اختبارين لصواريخ بالستية عابرة للقارات، يبدو أنّها وضعت جزءاً كبيراً من أراضي القارة الاميركية في مرماها. وعندما أطلق الشمال صاروخيه العابرين للقارات في تموز، واللذين قال إنهما «هدية» إلى «الأميركيين القذرين»، على حدّ تعبير الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، اتّبع الصاروخان مساراً أقرب إلى شكل جرس، متجنّبين التحليق فوق اليابان. وفي حينه، توعّد الرئيس الأميركي كوريا الشمالية «بالنار والغضب»، فيما ردّت الأخيرة متوعّدة بدورها بإطلاق صواريخ بالقرب من جزيرة غوام، وهي أرض أميركية في المحيط الهادئ.
تراجُع حدّة التوتر في الشهر الماضي بفعل الحراك الصيني ــ الروسي وإصدار عقوبات جديدة من مجلس الأمن، بعدما وصل التصعيد إلى حدود التلويح الأميركي بتوجيه ضربة عسكرية، أدى إلى عودة هدوء نسبي في شبه الجزيرة. إلا أنّ بيونغ يانغ كانت قد حذّرت من أنّ المناورات المشتركة بين جارتها الجنوبية وواشنطن سوف تعيد التوتر، وهي مناورات عسكرية سنوية توصف بأنّها دفاعية، ويشارك فيها عشرات آلاف الجنود في 21 آب الجاري في كوريا الجنوبية، وتستمر أسبوعين.
وفي أول ردّ فعل لكوريا الشمالية عقب إجراء تجربتها أمس، تحدث سفيرها لدى الأمم المتحدة، هان تاي ــ سونغ، عن الحق في «الدفاع عن النفس»، وكرر خلال مؤتمر للمنظمة الدولية في جنيف أنّ «المناورات العسكرية المشتركة الأميركية ــ الكورية الجنوبية الجارية في الوقت الراهن، في خضم التوتر حول شبه الجزيرة الكورية، وعلى رغم التحذيرات الحازمة من جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، ليست سوى عمل مفرط يزيد من التوتر».


مستشار سابق
لبوش: كان فعلاً
شجاعاً ما قام به
كيم جونغ أون

في المقابل، حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أجرى محادثة استمرت لنحو أربعين دقيقة مع رئيس وزراء اليابان شينزو آبي، من أنّ «كل الخيارات مطروحة». وأكد الرئيس الاميركي أن «العالم تلقّى بوضوح شديد الرسالة الأخيرة لكوريا الشمالية: أثبت هذا النظام ازدراءه جيرانه وجميع أعضاء الامم المتحدة وبأبسط معايير السلوك الدولي المقبول». وأضاف أن «الأعمال المهددة والمزعزعة للاستقرار لا تؤدي سوى الى زيادة عزلة النظام الكوري الشمالي في المنطقة والعالم. إن كل الخيارات مطروحة».
وبهذا التصريح يكون ترامب قد كرر التحذيرات السابقة بأنّ واشنطن قد تلجأ إلى عمل عسكري لحلّ هذه الأزمة، فيما دان رئيس الوزراء الياباني «عملية الإطلاق غير المقبولة»، التي «تلحق ضرراً كبيراً بالسلام والأمن» في المنطقة، موضحاً أن طوكيو احتجّت لدى بيونغ يانغ. وأضاف أنّه اتفق مع الرئيس الأميركي على «تعزيز الضغط على كوريا الشمالية».
ومن المعروف أنّه خلال الأزمة الأخيرة، بدا أنّ الإدارة الأميركية اعتمدت الرؤية المشتركة لوزيري الدفاع والخارجية، جايمس ماتيس وريكس تيلرسون، اللذين كان واضحاً أنهما يعاكسان رؤيتي كلّ من ترامب ومستشاره السابق ستيف بانون، وأعلنا من اليابان في زيارتهما الأخيرة لطوكيو أنّ «الرد العسكري» سيواجه أي استفزاز كوري شمالي مقبل، فيما رفضت وزارة الدفاع تأجيل أو إلغاء المناورات مع سيول. ولعلّ موقف ماتيس ــ تيلرسون السابق، هو ما يدفع إلى اعتبار أنّ تصريحات ترامب الحالية قد تعني توجيه ضربة محدودة إلى كوريا الشمالية في الأيام المقبلة.
لكن من جهة أخرى، قال شا دو ــ هيون، من «معهد اسان للدراسات السياسية» في سيول، «تصورنا أنّ كوريا الشمالية تراجعت في لعبة إثبات من هو الأقوى»، في إشارة إلى الأزمة الأخيرة، «لكنّ بيونغ يانغ تُظهر أن هذا لم يحدث، وأنها لم تتراجع، وأن واشنطن هي التي تخادع من دون أن يكون لديها مشروع عملي».
وتعليقاً على التطورات، رأت روسيا أنّ التدريبات العسكرية المشتركة التي باشرتها كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأسبوع الماضي «لعبت دورها بحمل بيونغ يانغ على القيام بعملية إطلاق جديدة» لصاروخ، وفق ما ذكر نائب وزير الخارجية، سيرغي ريابكوف. وجاء ذلك في وقت كررت فيه وزارة الخارجية الصينية دعوة بكين إلى استئناف محادثات السلام، معتبرة أنّ «الضغط والعقوبات» على كوريا الشمالية «لا يمكن أن يحلا المسألة بشكل جوهري».
وفي حديث إلى «فايننشال تايمز»، رأى دينيس ويلدر، وهو أحد كبار المستشارين السابقين لجورج بوش الابن في الشؤون الآسيويّة، أنّه «كان فعلاً شجاعاً ما قام به السيد كيم»، مضيفاً أنه «يمكن المجادلة أن إطلاقه تلك الصواريخ... إجابة مناسبة على المناورات العسكريّة الأميركيّة ــ الكوريّة الجنوبيّة، لأنّه لا يمكن استصدار عقوبات بسبب إطلاق صواريخ سكود. إنّه تحدٍ جديد». وتساءل: «ما الذي يمكنك فعله حيال ذلك؟». وقال ويلدر إنّ كيم «يستخدم نوعاً ما الأسلوب الأميركيّ... وأظنّ أنّ ذلك يحمل أيضاً رسالة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ... تقول: أنتم لا تخيفونني، رغم أنّ ذلك قد لا يعكس الحقيقة».
وكانت هيئة الاركان الكورية الجنوبية قد ذكرت في بيان أمس، أنّ «مقذوفاً من نوع غير محدد» قد تم إطلاقه من سونان بالقرب من بيونغ يانغ، وقطع 2700 كيلومتر. وأطلق الصاروخ باتجاه الشرق وليس باتجاه جزيرة غوام التي تضم مواقع استراتيجية متقدمة للجيش الاميركي على طريق آسيا، ويعيش فيها 160 ألف شخص. وتبعد غوام نحو 3500 كلم عن كوريا الشمالية.
وقبل 2009، حلّق صاروخ كوري شمالي في المجال الجوي الياباني في 1998. وفيما أكدت بيونغ يانغ حينذاك أنه صاروخ فضائي، قالت واشنطن إنه صاروخ من نوع «تايبودونغ ــ1». وأعلنت اليابان في الماضي أنها ستدمر أيّ صاروخ كوري شمالي يهدّد أراضيها، لكنها لم تفعل ذلك أمس. وبرّر وزير الدفاع الياباني، ايتسونوري اونوديرا، ذلك، بأن الصاروخ حلّق فوق جزيرة هوكايدو في الشمال لدقيقتين، ولم يكن هناك احتمال لسقوطه على أراضيها.
(الأخبار، أ ف ب)




هايلي لروسيا والصين: طفح الكيل!



رأت سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي (الصورة)، أنّ «أمراً جدياً يجب أن يحدث» غداة التجربة الصاروخية الأخيرة التي أجرتها كوريا الشمالية. وقالت: «غير مقبول... لقد انتهكوا كل قرار أصدره مجلس الأمن الدولي، ولهذا السبب، أعتقد أن أمراً جدياً يجب أن يحدث» لردع بيونغ يانغ.
ودعت كل من واشنطن وطوكيو إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، كان يتوقع انطلاقه منتصف الليل بتوقيت بيروت. وقالت هايلي «سنناقش (الخيارات) المتوفرة بشأن ما يمكن القيام به»، مشيرة إلى أنه لا يجب أن ترسل «أي دولة» صواريخ تحلق فوق بلد يبلغ تعداد سكانه 130 مليون نسمة كاليابان.
وأضافت أن مجلس الأمن سيناقش مسألة فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، مضيفة: «لدينا الكثير لنتحدث عنه اليوم. ولذا، نأمل مع جميع شركائنا أن تواصل الصين وروسيا العمل معنا، كما فعلتا في الماضي بشأن كوريا الشمالية. ولكن أعتقد أنه قد طفح الكيل. كفى يعني كفى».
وتسعى وزارة الخارجية الأميركية إلى العمل مع الصين لإقناع كوريا الشمالية بأن لا أمل لها في إنهاء عزلتها الاقتصادية والدبلوماسية إلا عبر الانخراط في محادثات حسن نية مع واشنطن بشأن نزع السلاح النووي، في وقت تدافع فيه كوريا الشمالية عن حقها في اتخاذ «إجراءات قاسية» للرد على ما تصفه بأنه عدوان أميركي.
يُشار إلى أنّ البنتاغون أعلن مساء أمس أنّ الصاروخ الذي أطلقته كوريا الشمالية فوق اليابان متوسط المدى، ولم يشكل خطراً على الولايات المتحدة.
(أ ف ب)