منذ إعلان تاريخ الاستفتاء في 9 حزيران/ جوان الماضي، تتصاعد حدة التصريحات بين السلطات المحليّة في إقليم كاتالونيا والحكومة الإسبانيّة المركزيّة. لكن ما هي جذور المشكل؟ وكيف وصلت الأمور إلى حد تبادل الشتائم والتهديدات؟ وما مصير «المسألة الكاتالونيّة» إن كانت نتائج الاستفتاء الاستقلاليّ إيجابيّة؟


الجذور التاريخيّة

تعود بدايات التشكل الحديثة للمسألة الكاتالونيّة إلى القرن السابع عشر. حينها كانت كاتالونيا منطقة تتمتع بما يشبه الحكم الذاتيّ، في ظلّ المملكة الإسبانيّة، حيث كانت تدار بمؤسسات سياسيّة محليّة وأعراف محليّة. انتهى هذا الوضع في نهاية حرب الخلافة الإسبانيّة واستسلام برشلونة، التي دعمت سلالة هابزبورغ، للجيش الفرنكو ــ إسباني، بزعامة الملك البوربوني فيليب الخامس، في يوم 11 أيلول/ سبتمبر عام 1714 بعد حصار دام 14 شهراً (لا يزال يوم 11 أيلول اليوم الوطنيّ لكاتالونيا إلى الآن). وبسقوط برشلونة، سنّت قوانين جديدة جعلت الحكم في إسبانيا أكثر مركزيّة.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، بدأ ما يعرف بالنهضة الكاتالونيّة، التي جاءت في شكل حركة ثقافيّة أدبيّة تنادي بإحياء لغة المنطقة وتجديدها. ترافقت النهضة الثقافيّة مع تحوّل اقتصاد المنطقة من الزراعة إلى التصنيع، بوتيرة أسرع مما كانت عليه في بقيّة المناطق الإسبانيّة. من هناك بدأت النزعة القوميّة في اكتساب شكل سياسيّ أخذ يتطوّر تدريجاً إلى حين تشكيل حزب الدولة الكاتالونيّة في عام 1922، وهو أوّل حزب سياسيّ ينادي بالاستقلال، قبل أن يندمج عام 1931 مع الحزب الجمهوريّ الكاتالونيّ ويشكلا حزب اليسار الجمهوريّ الكاتالونيّ.
فاز الحزب الجديد فوزاً كبيراً في الانتخابات البلديّة في السنة نفسها، وتزامن ذلك مع إعلان قيام الجمهوريّة الإسبانيّة الثانية، وفي المحصّلة أدت المفاوضات بين الحكم المركزيّ الجديد والحركة الانفصالية إلى إقرار حكم ذاتيّ في كاتالونيا.
لم تتواصل الإدارة الذاتيّة للإقليم كثيراً، فبمجرد وصوله إلى الحكم في أعقاب الحرب الأهليّة، تراجع الجنرال فرانكو عن الإجراءات السابقة وأعاد المركزيّة التي تواصلت إلى حين وفاته عام 1975. وفي عام 1978، أُقِر دستورٌ جديدٌ سمح بقيام حكم ذاتيّ في المناطق تسكنها قوميّات مختلفة، لكنه شدد في نفس الوقت على «وحدة الأمة الإسبانيّة غير القابلة للتقسيم». ورغم معارضة القوى السياسيّة الانفصاليّة لمحتواه المناقض لبرنامجها، وافق أكثر من 90 في المئة من المشاركين في الاستفتاء في كاتالونيا على الدستور.
قادت الموافقة على الدستور إلى إصدار قانون الحكم الذاتي لمنطقة كاتالونيا في عام 1979، وهو وإن لم يرضِ الفعاليات الانفصاليّة، إلّا أنّه حظي بتأييد أغلب المشاركين في الاستفتاء عليه. نتيجة ذلك برزت حركة مسلّحة تهدف إلى فرض استقلال الإقليم، قامت بسلسلة أعمال مسلحة قبل أن تنحل في منتصف التسعينيات.

تطوّرات العقد الأخير

قادت الاحتجاجات إلى إصدار نسخة معدلة من قانون الحكم الذاتيّ عام 2006، وهي نسخة لم تحظَ كذلك بموافقة الانفصاليّين بعد تعديل البرلمان المركزيّ وفسخه لعدة بنود أقرها برلمان الإقليم. وتشمل البنود الخلافيّة مسائل ماليّة وتدخّل السلطة المركزيّة في شؤون سلطة الإقليم، إضافة إلى بنود حول اللغة وتعريف كاتالونيا كأمّة. ولفضّ الإشكال، توجه الحزب الشعبيّ الحاكم في البلاد إلى المحكمة الدستوريّة التي استمرت مداولاتها على مدى أربعة أعوام، لتصدر في النهاية حكمها بعدم دستوريّة 14 فصلاً من القانون، وبتقييد تأويل 24 فصلاً آخر.
من هناك بدأ مسار احتجاجات متواصل إلى الآن. تجمّع بعد قرار المحكمة أكثر من مليون متظاهر في إقليم كاتالونيا للتعبير عمّا عدّوه قراراً قضائيّاً مسيّساً حرمهم حقوقهم الاقتصاديّة واللغويّة. وبرمجت انطلاقاً من عام 2012 تظاهرات مليونيّة سنويّة حافظت على الزخم الاحتجاجيّ، ولجأت بلديات كاتالونيا إلى عمليات سبر آراء أظهرت أن نحو 70 في المئة من سكان الإقليم يرون ضرورة عقد استفتاء لتقرير مصير علاقتهم بالمركز.
لم تكتفِ سلطات الإقليم بذلك القدر من «الإجراءات الاحتجاجيّة»، إذ مرر برلمان الإقليم عام 2013 «إعلان سيادة وحق شعب كاتالونيا في التقرير»، وتأسيساً على ذلك الزخم حددت حكومة الإقليم موعد استشارة غير ملزمة في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2014. ورغم رفع الحكومة المركزيّة شكوى إلى المحكمة الدستوريّة التي أبطلت بدورها الاستشارة، غيّرت سلطات الإقليم اسم الحركة إلى «مسار المشاركة المواطنيّة حول مصير كاتالونيا السياسيّ»، ومضت قدماً في تطبيقها. وصوّت نحو 90 في المئة من المشاركين لتحويل كاتالونيا إلى دولة.


رئيس الحكومة المركزيّة: الانفصاليّون لن ينجحوا في تفكيك الدولة الإسبانيّة

ردت المحكمة الدستوريّة بمعاقبة رئيس حكومة الإقليم أرتور ماس، ونائبه، ووزير التعليم، بمنعهم من تولي مسؤوليات عليا لمدة تصل إلى سنتين، وغرامات ماليّة تصل إلى أكثر من 36 ألف يورو. لكن الإجراءات العقابيّة زادت الطين بلة، إذ خدمت لمصلحة التحالف السياسيّ الانفصاليّ الذي فاز في الانتخابات الإقليميّة عام 2015 بأكثر من نصف مقاعد البرلمان.
سمح ذلك الفوز بالقفز خطوة أخرى إلى الأمام وطرح مسألة الانفصال على نحو أكثر جديّة بناءً على زخم وغضب شعبيّ أشد. وأشار البرلمان إلى أنّه سيعلن موعد الاستفتاء المصيريّ في مدار سنة 2017، وهو ما حصل في 9 حزيران/ جوان الماضي.

هل يحدث الانفصال؟


يحاول ماريانو راخوي، رئيس الحكومة المركزيّة، وهي حكومة يمينيّة مبنيّة على أقليّة برلمانيّة، إرضاء الانفصاليّين في إقليم كاتالونيا بأيّ ثمن. طرح أخيراً مسألة جمع السلطات المحليّة الضرائب وتسخيرها لمصلحة الإقليم (على غرار ما يحصل في إقليم الباسك مثلاً). وهو مطلب تقدم به الانفصاليّون منذ عام 2012 احتجاجاً على تحمّل الإقليم المنتعش اقتصاديّاً لأعباء الأقاليم الأخرى التي تشهد اقتصاداتها تراجعاً.
لكن يبدو أنّ اقتراح راخوي جاء متأخراً، وهو على كلّ حال يفضّل الوسائل القانونيّة الدستوريّة أكثر من الحوار، وذلك على عكس حزب «بوديموس» اليساريّ الذي وإن كان معارضاً لانفصال كاتالونيا، على غرار الحزب الاشتراكي القوة السياسيّة الثانية في البلاد، إلّا أنّه أعلن أنّه يفضّل الحوار على «قوننة» المسألة.
مع ذلك لا يبدو أنّ راخوي مستعد للتسليم بالأمر. بعد تصريح حكومة الإقليم أنّها ستعلن الاستقلال في ظرف 48 ساعة من نتائج الاستفتاء (إن كانت نتيجة إيجابيّة)، خرج راخوي ليعتبر أنّ تلك التصريحات محض «أوهام سلطويّة» وأنّ الانفصاليّين لن ينجحوا قطّ في تفكيك الدولة الإسبانيّة.
المثير في الأمر هو ارتكاز حكومة الإقليم والحكومة المركزيّة على المبادئ نفسها لخدمة هدفين متناقضين. إذ يقول الانفصاليّون إنّ قرارهم مبنيّ على الديموقراطيّة والقانون الدولي الذي يضمن حقّ تقرير المصير، فيما يرى الوحدويّون أنهم ملتزمون الدستور الذي سنّ على أسس ديموقراطيّة ووافق عليه جميع سكان إسبانيا، بمن فيهم سكان الإقليم.
وفيما يدفع معسكر الانفصال بضرورة قبول المركز بحدوث الاستفتاء على شاكلة ما حصل قبل نحو عامين في اسكتلندا وما حصل في منتصف التسعينيات في إقليم الكيباك الكندي، يقول معسكر الوحدة إنّ تلك حالتان شاذتان لا تعكسان الوضع العام في العالم، حيث تشمل دساتير كلّ من إيطاليا وألمانيا أيضاً فصولاً تشدد على وحدة أراضي الدولة غير القابلة للتقسيم.
على مستوى خارجيّ، تتمثّل استراتيجيّة الانفصاليّين الحاليّة في محاولة جمع تأييد دوليّ لقضيّتهم، وهو ما لم يتحقق إلى الآن لسبب واضح هو الخوف من انتشار العدوى في أوروبا التي تشهد نزعات انفصاليّة مماثلة وفي العالم بصفة عامة، لكن ذلك في رأيهم قادم لا محالة، وسيكون نتيجة طبيعيّة إذا ما قرر المركز اتخاذ إجراءات أمنيّة أو عسكريّة ضدهم. من ناحية ثانية، يبذل راخوي والوحدويّون مساعي لإقناع حلفائه الأوروبيّين بالوقوف إلى جانب طرحه، لكنّه يعلم أن الحلّ داخليّ أولاً.
وفي جميع الأحوال، وسواء جرى الاستفتاء أو لم يجرِ، ومهما كانت نتيجته (من الصعب الإقرار بالنتيجة لتقارب نتائج عمليات سبر الآراء المختلفة)، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بالمفارقة التي يشهدها العالم: إذا كان سائراً في مسار عولميّ يشبّك الاقتصادات أكثر ويثبّت مؤسسات دوليّة ويزيد من هيمنتها، فإنه يسير في موازاة ذلك في مسار تقسيميّ تشتد حدّته يوماً بعد آخر.