باريس | مع بداية كل ولاية رئاسية جديدة في فرنسا، يحظى «مؤتمر السفراء» الذي يُعقد في قصر الإيليزيه، في افتتاح الأسبوع السنوي للدبلوماسية الفرنسية، باهتمام خاص. فالخطاب الذي يلقيه كل رئيس جديد، خلال هذا الاجتماع، يكون عادة بمثابة المرجعية التي يستند إليها التوجه الدبلوماسي الفرنسي، خلال السنوات الخمس التالية.


لهذه الأسباب، حظي الخطاب الذي ألقاه إيمانويل ماكرون، أول من أمس، أمام «مؤتمر السفراء»، بكثير من الترقب والفضول. الرئيس الفرنسي الجديد كان قد وعد، خلال حملته الانتخابية، بإحداث ثورة جذرية في «التصور الفرنسي للممارسة السياسية». وبالفعل، لم يخيّب ماكرون آمال أنصاره ولا خصومه، إذ جاء خطابه حافلاً بالمفاجآت والتحولات. فبعد الديباجة المعتادة، حول «مكانة فرنسا وإشعاعها عبر العالم»، ما إن شرع الرئيس الشاب في عرض تصوراته لما يجب أن تكون عليه أولويات العمل الدبلوماسي الفرنسي، حتى بدأ التململ في صفوف السفراء الفرنسيين الـ170 الحاضرين.


خطاب «مؤتمر السفراء» يعدّ بمثابة المرجعية التي يستند
إليها التوجه الدبلوماسي

لم يكتف ماكرون بتأكيد ما شرع فيه فور توليه الحكم من تحولات في المواقف الدبلوماسية الفرنسية بخصوص عدد من الملفات الشائكة أو المثيرة للجدل، كالملف السوري أو الأزمة المزمنة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا أو العلاقة الشائكة بين فرنسا و«الحليف الأميركي»، وبالأخص منذ إعلان الرئيس دونالد ترامب انسحابه من اتفاقية باريس البيئية. فكل ذلك كان متوقعاً ومعروفاً سلفاً. المفاجأة المدوية التي فجّرها ماكرون لم تقتصر فقط في إحداث تغييرات في التوجهات أو المواقف الدبلوماسية، بل تجاوزت ذلك إلى إعادة النظر في «الدوغما الدبلوماسية» الفرنسية من أساسها!
بالرغم من أن ماكرون كرّر في ديباجة خطابه ما كان يقول به كل نزلاء الإليزيه الذين سبقوه، بخصوص «خصوصية صوت فرنسا الدبلوماسي»، قائلاً إن «فرنسا بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن وقوة نووية، يجب أن تلعب دورها على الساحة الدولية كقوة لها ثقل مضاد، كلما اقتضى الأمر ذلك، وأن تبادر دوماً بمقترحات تهدف إلى إعادة تأسيس النظام العالمي، من خلال التشجيع على بروز أُطر (دبلوماسية) متعددة الأقطاب». إلا أنه استدرك قائلاً: «يجب إحداث تحوّل في الدبلوماسية الفرنسية، لكي تتمكن من إسماع صوتها، في ظل التحولات التي يشهدها العالم».
أهداف هذا التحول الدبلوماسي لخّصها ماكرون بقوله إن «أمن الفرنسيين يجب أن يكون أساس الدبلوماسية الفرنسية وغايتها الوجودية»، معتبراً أن ذلك يجب أن يكون منطلقاً لتأسيس مفهوم جديد سمّاه «الدبلوماسية الدفاعية». مفهوم يختزل أولويات الدبلوماسية الفرنسية في نقطة واحدة فقط تتمثل في مكافحة الإرهاب. حتى إن صحيفة «لوفيغارو» المؤيدة لماكرون بلغت بها الحماسة في افتتاحية تصدرت غلاف عددها الصادر أمس إلى حد وصفها بـ«الدبلوماسية القتالية»!
كان ماكرون قد فاجأ السلك الدبلوماسي، في أيار/ مايو الماضي، حين عيَّن جان إيف لودريان في منصب وزير الخارجية، بعد أن كان الأخير وزيراً للدفاع طوال عهد فرانسوا هولاند. قرار أثار استغراب المحللين، إذ تساءل كثيرون آنذاك كيف يمكن مَن أشرف على قيادة العمليات العسكرية الفرنسية، طوال خمس سنوات، من مالي إلى أفريقيا الوسطى، ومن ليبيا الى سوريا والعراق، أن يصبح رافعاً للواء الدبلوماسية الفرنسية؟ وإذا بخلفيات تعيين لودريان وزيراً للخارجية تتضح أكثر، بعد أن كشف ماكرون عن مفهومه لـ«الدبلوماسية الدفاعية»، بوصفها مسعىً مكملاً للحرب على الإرهاب! وقد فسّر الرئيس الفرنسي هذه الدوغما الدبلوماسية الجديدة بقوله: «داعش هي عدونا. لذا، إن عودة السلم والاستقرار في العراق وسوريا أولوية حيوية بالنسبة إلى فرنسا».
هذه التحول في الموقف الفرنسي من الأزمة السورية جاء امتداداً لتصريح سابق للرئيس ماكرون، في شهر حزيران/ يونيو الماضي، قال فيه إن «رحيل (الرئيس بشار) الأسد لم يعد أولوية بالنسبة إلى فرنسا». تحوّل برّره ماكرون في خطابه أمام «مؤتمر السفراء» بقوله: «يجب علينا أن نكسب معركة السلام والأمن، وتحقيق ذلك يتطلب منا تغيير أسلوب عملنا».
ضمن هذه الاستراتيجية الدبلوماسية الجديدة، التي تحتل فيها تحديات مكافحة الإرهاب مكانة مركزية، أعلن الرئيس الفرنسي مبادرتين، قال إن الدبلوماسية الفرنسية ستسعى من خلالهما إلى رفع ما سمّاه «التحديات الدولية الجديدة المتعلقة بـتشجيع الحوار وإعادة الأمن والاستقرار، بما يسمح، في الآن نفسه، بالتصدي للإرهاب ووقف تدفق اللاجئين».
تتمثل المبادرة الأولى في عقد «مجموعة اتصال» دولية حول الأزمة السورية، بإشراف فرنسا، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستنعقد الشهر القادم في نيويورك. أما المبادرة الثانية، فستكون مؤتمراً دولياً حول إشكالية تمويل الإرهاب، سيعقد في باريس، مطلع السنة المقبلة.