لطالما اقترن ذكر كيم جونغ أون، في الإعلام الغربي، بصفات عدّة، مرتبطة بالجنون والطيش والصبيانية والنرجسية والمزاجية، وكرّستها بعض التصرفات الغريبة للزعيم الكوري الشمالي، إلى جانب بعض المفاهيم الخاطئة لطبيعة المنظومة السياسية والاجتماعية في دولة معزولة، ومحاطة بكثير من الأساطير.


لعلّ الشخصية الغامضة لكيم جونغ أون، واندفاعته السريعة باتجاه خرق الخطوط الحمراء، متجاوزاً في ذلك جدّه كيم إيل سونغ، وأبيه كيم جونغ إيل، قد دفعتا إلى تعميم صورة «الصبي السمين المجنون»، انطلاقاً من التوصيف الذي ابتدعه السيناتور الأميركي جون ماكين، والذي سرعان ما تلقّفه الإعلام الغربي، ليضفي على المسألة الكورية الشمالية مزيداً من الإثارة!
وقد تكون تلك الصورة النمطية قد أسعدت الاستخبارات الكورية الشمالية نفسها، وربما كانت قد عملت على إبرازها، أكثر فأكثر، في سياق لعبة خداع. من هنا لم يكن مستغرباً تفجير الكثير من القنابل الإعلامية، بشأن كيم جونغ أون، تزاوج بين الحقيقة والخيال، وتتفاوت بين إعدامه أحد رجال نظامه بجعله هدفاً لمدفع هاون، وبين سلوكيات اجتماعية «غريبة».
مع ذلك، تقترب تلك الصورة النمطية من أن تفتقد رونقها، فهي لم تعد حكراً على الزعيم الكوري الشمالي وحده، إذ ثمة «رجل سمين مجنون» آخر اعتلى رأس قمة المنظومة الأميركية قبل أشهر، وفتح باب المقارنات بين عدوّين لدودين، من خلال سؤال واحد، راح يطرحه البعض بصيغ متعددة: من الأكثر جنوناً؟
والمثير للانتباه، في هذا الإطار، أن كثيرين حول العالم ــ بما في ذلك أعداء ما يسمّيه البعض «إمبريالية» والبعض الآخر «استكباراً» ــ ما زالوا يقاربون المسألة الكورية الشمالية، انطلاقاً من الصورة النمطية ذاتها، التي نجح الإعلام الغربي في تعميمها حول كيم جونغ أون، طوال السنوات الماضية، مع إضافة جديدة، تتعلق بالجنون المفترض لدونالد ترامب، بما يدفع إلى الاعتقاد بأن العالم بات «عصفورية» يتحكم في مصيرها «مجنونان».
لكن النقاش العام يتخذ اليوم بعداً آخر، وأكثر جدّية، فذلك «الجنون» المفترض لكيم جونغ أون، بات موضع شكوك، في ظل ما شهدته الآونة الأخيرة من تحرّكات ذات طابع استراتيجي، بلغت ذروتها أمس، مع إجراء بيونغ يانغ تجربة مزلزلة لقنبلة هيدروجينية، بعد أيام على إطلاق صواريخ، سقط بعضها على مقربة من شمال اليابان.
هذه التحركات، ذات الطبيعة المتصاعدة في وتيرتها ومستواها، بدأت تفرض مقاربة أكثر جدّية للملف الكوري الشمالي، انبرى إليها الكثير من المحللين في مراكز الأبحاث الغربية، والذين باتوا يتحدثون عن «مأزق جدّي» تواجهه الولايات المتحدة، لا يكمن في التجارب العسكرية التي تجريها بيونغ يانغ، على اختلاف أشكالها ومستوياتها فحسب، بل في منهجية إدارة الصراع من قبل كيم جونغ أون، والتخبط في رد الفعل من قبل دونالد ترامب، ما ولّد قناعة لدى كثيرين بأن ثمة «مجنوناً عاقلاً» في بيونغ يانغ... و«مجنوناً غبياً» في واشنطن!
هذا ما يمكن تلمّسه، على سبيل المثال، من تحليل جون ب. وولفستال، في موقع «بوليتيكو»، الذي يرى أن كيم جونغ أون يبدو «منهجياً»، لا بل «حريصاً بما فيه الكفاية» على تحويل برامجه النووية والصاروخية إلى قدرة ردع للقدرات العسكرية الساحقة للولايات المتحدة، أو جعل الأخيرة غير مستعدة ــ في المدى المنظور على الأقل ــ لإشعال نزاع عسكري مع كوريا الشمالية.
على المنوال ذاته، يبدو أن وسائل الإعلام الغربية قررت أخيراً أن تعيد الاعتبار لمحللين سياسيين وأمنيين، اضمحلّت آراؤهم العقلانية في القنابل الإعلامية الجنونية، التي سادت خلال الأعوام الماضية، ومن بينهم على سبيل المثال مسؤول استخباراتي كوري جنوبي، نقلت عنه مجلة «نيوزويك» قبل أيام القول: «لطالما كنت أعتقد أن الكيميين (كيم جونغ أون، وكيم جونغ إيل، وكيم إيل سونغ) ليسوا مجانين»، مشيراً إلى أنه «ما زال بالإمكان تحليل دوافعهم ووضع السياسات المناسبة للرد، وهو ما مكّننا، بحسب اعتقادي، من تجنب حرب جديدة منذ عام 1953».
ولكن الأهم، أنّ المحللين الأميركيين، ولا سيما في مراكز الأبحاث التي تملك تأثيرها على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، يتسابقون اليوم على استعادة منهجية كلاسيكية في التحليل الاستراتيجي، لطالما غُيِّبَت منذ سنوات، ويمكن الاستدلال من خلالها على رغبة في تسوية سلمية للتوتر مع كوريا الشمالية، بعيداً عن لغة التهديد والوعيد الترامبية، وتتمثل في سؤال محوري: كيف ينظر إلينا كيم جونغ أون؟
لعلّ الإجابة عن هذا السؤال، تتطلب محاكاة لطريقة تفكير الزعيم الكوري الشمالي وهو جالس في مكتبه في قصر ريونغسونغ، محاطاً بكبار قادة الحزب الحاكم ــ بدلاً من التقديرات النابعة من اجتماع يعقده دونالد ترامب في البيت الأبيض، بمشاركة مستشاري الأمن القومي ــ بما يقود إلى ثلاثة استنتاجات، يمكن البناء عليها، للتعرف إلى الخيارات المتاحة أمام كلا الطرفين.
الاستنتاج الأول، هو أن كيم جونغ أون يعتقد، بدرجة تقترب من اليقين، أنّ الأميركيين يريدون التسوية لا الحرب، وهو ما يمكن أن يستنتجه من أداء الإدارات الأميركية منذ تسعينيات القرن القرن الماضي، التي جعلت التصعيد ضد الدولة الشيوعية الموصوفة في أدبيات جورج دبليو بوش بـ«المارقة»، ورقة ضغط هدفها التفاوض، وهو ما حصل بالفعل في عام 2005.
أما الاستنتاج الثاني، فهو أن كيم يرى أنّ ثمة متغيّرات دولية وإقليمية، تكبّل أيدي الولايات المتحدة، إذا قررت اللجوء إلى الخيار العسكري، فعصر القوة الأحادية على المستوى العالمي قد ولّى، ولا شك في أن روسيا والصين ــ برغم موقفهما المعارض ظاهراً للاندفاعة الكورية الشمالية ــ لن يسمحا بانزلاق شبه الجزيرة الكورية، وما يحيط بها، إلى حرب مدمّرة بقرار أحادي من دونالد ترامب، لا بل إن النفوذ الأميركي في الشرق الأقصى لم يعد كما كان في السابق، في ظل الاستقلالية النسبية للقرار السياسي في الدولتين الحليفتين للولايات المتحدة ــ اليابان وكوريا الجنوبية.
وأما الاستنتاج الثالث، فهو أن الزعيم الكوري الشمالي على قناعة بأن الأميركيين أنفسهم يدركون أن سياسة العقوبات لن تحدث أي تغييرات في سياساته، فالاقتصاد الكوري، وبرغم الضغوط الكبرى الناتجة من سياسية العزلة، ما زال قادراً على الصمود، بفضل الدعم الصيني.
ولعلّ رهاب الحرب الذي يعاني منه الكوريون الجنوبيون في الدرجة الأولى، واليابانيون في الدرجة الثانية، يمثل في الواقع كلمة السر، التي تنطلق منها كوريا الشمالية، منذ انتهاء الحرب في الخمسينيات في تحديد سياساتها، وهي تدفع بعض المحللين إلى وصف كلّ من القادة الثلاثة الذين توالوا على حكمها بـ«الثعلب المجنون»، الذي يستطيع أن يدفع الوضع إلى حافة الهاوية، بتصرفات تبدو غير متّزنة، ولكنه سرعان ما يوقف التدهور، في خطوة تتسم بالحكمة!
لعلّ هذا الجنون الماكر هو ما جنّب كيم جونغ إيل، خلال العقود الماضية، مصير الرئيس الراحل صدّام حسين، أو حتى معمّر القذافي، وهو ما يسير عليه اليوم كيم جونغ أون، باعتبار أن «الولد سرّ أبيه»... لكن كل ما سبق قد يصطدم بجنون غبي، يمثله وجود رئيس أميركي مثل دونالد ترامب، على رأس حزب جمهوري، وصفه نعوم تشومسكي قبل أشهر بأنّه «أكثر منظمة سياسية خطراً على البشرية»!