طهران | عام 2003، كشفت منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة عن برنامج نووي إيراني، وذلك بالتعاون مع استخبارات أميركية وأجنبية ساعدت المنظمة في الحصول على بعض المعلومات. البرنامج لم يكن سراً، لكنه كان الحُجّة لشن حرب الضغوط المستمرة على إيران.

بدأ العمل في المشروع النووي الإيراني أيام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، وهو برنامج كان معداً في الأساس ليكون عراقياً، إلا أن ثورة عبد الكريم قاسم وسقوط حلف بغداد، عام 1958، أديا إلى نقل المشروع النووي إلى أحضان الشاه الإيراني. انطلق العمل في إنشاء المفاعلات، ووُضعت الخطط لبناء عشرين مفاعلاً نووياً بكل مستلزماتها، بإشراف أميركي وألماني.

مفاعل «أمير آباد» للأبحاث كان أول منشأة تدشنها أميركا في طهران، قبل اندلاع الثورة الإسلامية، وهو المفاعل ذاته الذي قامت إيران بإنتاج اليورانيوم المخصّب بنسبة 20% لتشغيله، بعد رفض واشنطن والقوى الكبرى تزويده بالوقود النووي لأغراض طبية وإنتاج النظائر الإشعاعية، التي تعالج أكثر من 700 ألف حالة إصابة بمرض السرطان في إيران. ثم جاء دور مفاعل بوشهر ومنشأة تخصيب اليورانيوم في أصفهان وخطوات بناء مفاعل آراك للمياه الثقيلة.

قبل 4 سنوات، وصلت رسالة
أميركية إلى خامنئي تخبره بنيّة فتح حوار مع طهران
هذه المواقع حدّدت بمساعدة خبراء وعلماء غربيين، قاموا بتقديم دراسة أقرّت، أيام الشاه، ببناء مفاعلات واستخراج اليورانيوم وتخصيبه وإنتاج الوقود النووي، وهو المشروع ذاته الذي تقوم طهران باستكماله اليوم. كان مسموحاً للشاه، الأميركي الهوى، أن يبني مفاعلات نووية على شواطئ الخليج، جنوب البلاد، من دون اعتراض أي من الدول المتشاطئة مع إيران جنوباً، إلا أن الأحوال انقلبت مع إعلان انتصار الثورة، فباتت المفاعلات تشكل خطراً بيئياً وأصبح اليورانيوم قنبلة والمفاعلات تهديداً للأمن العالمي. خرجت أميركا من لعبة تطوير المنشآت ومعها المتعهدون الأجانب والألمان، ودخلت روسيا إلى عملية إعادة البناء في بوشهر، بعد تدمير المفاعل من قبل الطائرات العراقية، خلال الحرب المفروضة بين البلدين في الثمانينيات. حُرّم على إيران أي نشاط نووي، حتى السلمي، ففُرضت عليها العقوبات وهُددت بالحرب واستُهدفت واستُنزفت، لأنها دخلت النادي النووي ببطاقة تعريف وطنية من دون الرجوع والانضواء تحت جناح التقنيات الأميركية.
على مدى السنوات الماضية، كانت واشنطن تدير المفاوضات في عهد الترويكا الأوروبية، ولا تزال تقوم بهذا الدور ضمن مجموعة السداسية الدولية.
كان لا بد من الدخول مباشرة في صلب المواضيع، فطهران نسّقت بطريقة أو بأخرى مع الولايات المتحدة في ملفي العراق وأفغانستان، لكن التجربة لم تكن جيدة، لذا، كان التحرك الإيراني لمعرفة ما يدور في خلد الأميركي. قبل أربع سنوات، وصلت رسالة أميركية عبر سلطان عمان قابوس، الذي أخبر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بوجود نيّة لدى الأميركيين بفتح حوار مباشر مع طهران. رفض الرجل، في البداية، قائلاً إنه لا يثق بهم، لكن الوسيط العماني أصرّ، فقبِل من باب إتمام الحجّة على الأميركيين. أتت موافقة المرشد الأعلى المشروطة بحوار مباشر، بالتزامن مع طلب وزير الخارجية الإيراني، حينها، علي أكبر صالحي، الذي أصر على الموضوع، بعدما تلقت حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد رسالة أميركية، عبر وسيط، تعلن استعداد واشنطن بالاعتراف بحقوق إيران النووية وحق تخصيب اليورانيوم، فكانت الموافقة على الدخول في مباحثات مع الجانب الأميركي في العاصمة العمانية مسقط، وفق الشروط الآتية:
ــ المباحثات تنحصر بالموضوع النووي لا غير
ــ وزير الخارجية الإيراني لا يشارك في الاجتماعات، ويكون على مستوى معاونين
ــ أن تكون للمباحثات نتائج سريعة وفعّالة
ــ أن تؤدي إلى رفع كل العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج
انعدام الثقة الإيرانية بالجانب الأميركي، الذي يعدّ اللاعب المؤثر والحقيقي على طاولة المباحثات، عاد إلى الواجهة من جديد بعد وضع الملف الصاروخي على مائدة الرفض الأميركي والغربي، فقد أعلن بيان لوزان، صراحة، رفع كل أشكال العقوبات، التي فرضت على خلفية نووية، في حال الاتفاق. برز الخلاف في قراءة النصوص وتفسير البنود، فعبارة «كل أشكال العقوبات»، يجب أن تشمل القرار الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 24 آذار 2007، تحت الرقم (1747)، الذي يمنع بيع أو شراء طهران للأسلحة ويضع قيوداً على تطوير المنظومات الصاروخية والبالستية، بحجة إمكان تزويدها برؤوس حربية نووية. القرار صدر لمنع التطور العسكري للبرنامج الإيراني، وبعض أطراف السداسية الدولية تضغط من أجل تحقيق هدفها بالسماح بتفتيش المنشآت العسكرية والتأكد من خلوّها من أي نشاط، كي تسمح برفع حظر السلاح والصواريخ. هذا الأمر تقرأه طهران، بشكل مختلف، فالتوقيع على الاتفاق يعني إثبات سلمية برنامجها الحالي، وبما أن البعد العسكري الخلافي هو من الماضي، فلا يمكن أن تبقى العقوبات على تطوير القدرات الصاروخية، بعد التثبت من أن البرنامج النووي الحالي سلمي وتحت الرقابة الدولية. أميركا ستحاول استغلال هذه الثغرة لصالحها، لتحقيق مكاسب تتعلق بالحد من التسلّح الإيراني الذي يشكل تهديداً على حلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل، فيما ترفض طهران البحث في هذا الموضوع، بشكل منفصل، وتحاول إبقاءه ضمن سلّة العقوبات النووية، فأي تفكيك للملفات سيؤدي إلى تشتتها ودخولها في بازارات المقايضات الفردية، وهو ما من شأنه أن يعرقل المفاوضات.