كانت جلسة مجلس الأمن الطارئة، التي عُقدت أمس لبحث تداعيات الموقف بعد التجربة النووية لكوريا الشمالية، مناسبة للكشف عن الخلافات الجوهرية بين مختلف الأطراف الفاعلة في هذا الملف، بشأن كيفية تعاطي كل منها مع المستجدات. وفي مقابل مطالبة الولايات المتحدة بفرض المزيد من العقوبات على كوريا الشمالية، بعد تجربتها النووية أول من أمس، معتبرة أن التفاوض مضيعة للوقت، دعت كل من روسيا والصين إلى الحوار، في خلاف حول الإجراءات المناسبة تجاه بيونغ يانغ.


ويأتي ذلك في وقت اتفق فيه الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والكوري الجنوبي مون جاي ــ ان على إلغاء سقف القدرة الصاروخية لكوريا الجنوبية. وبحسب بيان الرئاسة الكورية الجنوبية، اتفق الرئيسان خلال اتصال هاتفي على رفع سقف القدرة الصاروخية، «في موازاة» التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية.
أما في الجلسة الطارئة التي عقدها مجلس الأمن الدولي، أمس، فقد شدد مندوبو الدول على ضرورة اتخاذ إجراءات لمعالجة الموقف، في حين أدانت دول الـ«بريكس» و«مجموعة السبع» التجربة النووية.
وأعلنت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي أن مجلس الأمن سيجري خلال هذا الأسبوع نقاشاً بشأن مشروع قرار يفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، على أن يُعرض للتصويت الاثنين المقبل. وتؤيّد فرنسا وبريطانيا واليابان فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، في حين شدّدت كل من موسكو وبكين على ضرورة الحوار والدبلوماسية لإيجاد حلول.


أعلنت سويسرا
أنها مستعدة للمساعدة في نزع فتيل التوترات

وقالت هايلي إن الولايات المتحدة ستشارك في مفاوضات هذا الأسبوع بشأن مشروع القرار، مضيفة أنّ بيونغ يانغ «صفعت الجميع على وجوههم» بالتجربة النووية الأخيرة. وأكدت أن «الكيل طفح»، معتبرة أنه «رغم جهودنا، فإن برنامج كوريا الشمالية الصاروخي أكثر تقدماً وأكثر خطورة من أي وقت مضى». كذلك، لفتت إلى أن «الولايات المتحدة لم ترغب الحرب مطلقاً. ولا نريدها الآن. لكن صبر بلادنا له حدود».
من جهتهما، أعلن سفيرا بريطانيا وفرنسا لدى الأمم المتحدة أن بلديهما يسعيان لفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية، وإجبارها على التفاوض من أجل حلّ سياسي لأزمة شبه الجزيرة الكورية. وقال سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة، فرانسوا ديلاتر، إن بلاده «تنتظر تحركاً سريعاً وفعالاً من مجلس الأمن الدولي بشأن كوريا الشمالية». وأضاف أن بلاده «تريد فرض عقوبات جديدة من قبل مجلس الأمن الدولي، وأيضاً من قبل الاتحاد الأوروبي على كوريا الشمالية، إضافة إلى التنفيذ الفعال والقوي للعقوبات الدولية المفروضة بالفعل على بيونغ يانغ». وتابع أن الغرض الأساسي من العقوبات هو «جرّ بيونغ يانغ إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسي».
في مقابل ذلك، أكد سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبنزيا، أن الحلول العسكرية لا يمكن أن تحسم أزمة شبه الجزيرة الكورية، وأشار إلى أن «هناك حاجة ملحة للتفكير بهدوء والنأي بالنفس عن أيّ تحرك قد يصعّد التوترات». وأبلغ مجلس الأمن أن «التسوية الشاملة للملف النووي وغيره من القضايا التي تعصف بشبه الجزيرة الكورية يمكن الوصول إليها فقط من خلال القنوات السياسية الدبلوماسية، بما في ذلك الاستفادة من مساعي الوساطة للأمين العام للأمم المتحدة».
كذلك، دعا سفير الصين في مجلس الأمن، لو جيي، كوريا الشمالية إلى «الحوار». وقال في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن بشأن كوريا الشمالية إنه «بفضل الحوار، يمكننا أن نتوصل إلى جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة منزوعة السلاح النووي». كذلك حثّ السفير الصيني كوريا الشمالية على الكف عن «ارتكاب الأخطاء»، ودعا كل الأطراف إلى أن تدرس بشكل جدي اقتراح بكين لوقف مشترك لبرامج بيونغ يانغ الصاروخية والنووية والتدريبات العسكرية التي تجريها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ويشار إلى أن الصين هي الداعم الأول لكوريا الشمالية، ووجهة 90% من صادراتها.
أما في برن، فقد أعلنت وزارة الخارجية أن سويسرا مستعدة للمساعدة في نزع فتيل التوترات بشأن أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي، عن طريق القيام بدور الوسيط بين الدول المعنية. وأشارت وزارة الخارجية السويسرية، في بيان، إلى أنه على عكس الولايات المتحدة، فإن الدولة الأوروبية المحايدة لديها علاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية.
وفي ألمانيا، أعرب وزير الدفاع الألماني الأسبق كارل ــ تيودور تسوغوتنبرغ عن اعتقاده بأن على بلاده التوسط في الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية. وأضاف الوزير الأسبق أن ألمانيا والمستشارة أنغيلا ميركل، الخبيرة في السياسة الخارجية، لهما مصداقية كبيرة لدى كل أطراف الصراع، ورأى أنه لا ينبغي أن تنسحب ألمانيا بأي حال من الأحوال من الحل.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)




رسالة إلى الصين؟

رأى عدد من الخبراء أن التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية، التي قدّمت على أنها تحدّ للولايات المتحدة، قد تعتبر كذلك وسيلة ضغط على الصين.
وتزامنت التجربة النووية السادسة الأقوى حتى الآن، التي أجرتها بيونغ يانغ الأحد، مع افتتاح القمة السنوية لقادة دول «بريكس» الخمس ــ البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ــ في مدينة شيامن في جنوب شرق الصين.
ورأى ديفيد كيلي من مكتب الدراسات «تشاينا بوليسي»، الذي يتخذ مقراً في بكين، أن كيم جونغ أون سعى في التجربة الأخيرة إلى الضغط على القادة الصينيين. وأوضح المتخصص في الشؤون الجيوسياسية أن «الرسالة هي: حذار من التلاعب بي»، فيما يرى كيم أنه «ضحية لعبة بين واشنطن وبكين». وعزا كيلي ذلك إلى تعليق الصين، في مطلع العام الحالي، استيراد الفحم من كوريا الشمالية، الذي يشكل مورداً حيوياً لعائدات نظام الشمال، وإجازتها إقرار سبع مجموعات من العقوبات تبنّاها المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة. لكن العملاقة الآسيوية التي كانت تستورد 90% من الصادرات الكورية الشمالية تبقى هدفاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يحضّها على مضاعفة الضغوط على جارتها. وهدّد ترامب بتعليق التبادل التجاري مع الدول التي تجري الأعمال مع بيونغ يانغ.
وفي هذا الإطار، يرى محلّلون أن الصين تجد نفسها حالياً في موقع مزعج، بين ضغوط واشنطن من جهة، التي تريد إجبارها على إقناع حليفتها بالعودة عن النووي عبر العقوبات، وضغوط بيونغ يانغ من جهة أخرى. وقال الخبير في الشؤون الصينية في الجامعة المعمدانية في هونغ كونغ، جان بيار كابستان، إن كيم جونغ أون قد ينتقل بعد إثباته قوة ترسانته «إلى خوض حملة استمالة لمحاولة فتح مفاوضات مع الولايات المتحدة».
(أ ف ب)