كأنه تصعيد على حافة «حرب نووية» من دون أن يكون واضحاً أين يتوقف ولا كيف ولا وفق أي صفقات؟ في التصعيد استئناف بظروف جديدة ووجوه مختلفة للحرب الكورية، التي استنزفت أعصاب العالم مطلع خمسينيات القرن الماضي.

في تلك الحرب، التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، سقط أربعة ملايين من القتلى والضحايا، وخربت مدن بأكملها وشرد أهلها، وفكرت الولايات المتحدة بأن تحسمها بـ«الخيار النووي».

لم يكن الضمير الإنساني مستعداً لتقبل أي تكرار لبشاعة ما جرى لمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين قرب نهاية الحرب العالمية الثانية طلباً لحسمها من دون شروط.
كان هاري ترومان سيد البيت الأبيض في سنوات الحرب الكورية هو نفسه الرئيس الذي أمر باستخدام السلاح النووي لأول وآخر مرة. كما لم يكن أحد في العالم مستعداً للانجراف إلى حرب عالمية ثالثة مكلفة ومدمرة بعد ما شهده من ويلات.
دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق والصين الشعبية والأمم المتحدة نفسها أطرافاً مباشرة في الحرب الأهلية وجرى تدويلها بالكامل.
وقد كان التدخل العسكري الصيني حاسماً في إحداث تفوق نسبي للشمال، أفضى في النهاية إلى وقف إطلاق نيران يوم ٢٧ تموز/ يوليو ١٩٥٣ تكرس بمقتضاه انفصال شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين متناقضتين أيديولوجياً واستراتيجياً وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بينهما من دون أن تعقد ــ حتى الآن ــ معاهدة سلام.
إرث التاريخ، وربما عقده، ماثل بقوة في خلفية ما يجري الآن من انفلاتات أعصاب في شبه الجزيرة الممزقة، تضعها على الحافة النووية.
منذ نهاية الحرب قبل ٦٤ سنة، تستند العقيدة الاستراتيجية لكوريا الشمالية إلى تعظيم قوتها العسكرية كعنصر ردع يحفظ للنظام بقاءه وتماسكه ضد أي أخطار محتملة.
وقد أسس كيم إيل سونغ، زعيم الحزب الشيوعي، وجد الرئيس الحالي كيم جونغ أون، جيشاً قوياً، معتقداً أن التفوق العسكري يسمح له بحسم الصراع على مستقبل شبه الجزيرة الكورية.
تحت الضغط المتواصل، تبنى ما سماهـ«زوتشيه» ــ أي الاعتماد على الذات ــ من دون أن تغادره فكرة أنه «الزعيم المحبوب من أربعين مليون كوري»، أملاً بتوحيد شبه الجزيرة تحت قيادته هو.
ورغم أن «مبدأ ترومان» لمحاربة الشيوعية، حيثما وجدت، تراجعت مكانته بالسياسة المعتمدة بأثر التغيرات الجوهرية في بنية النظام الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحوّل الصين إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، إلا أن بيونغ يانغ اعتقدت دوماً أن رأسها مطلوب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كـ«دولة مارقة» ــ حسب التصنيف الأميركي.
ثم كانت الحرب على العراق واحتلال عاصمته بغداد عام ٢٠٠٣ إشارة جديدة إلى أنه إذا لم تمض قدماً في مشروعها النووي فإنها سوف تنال المصير نفسه. هذه ليست خيارات عابرة، بل هي استراتيجيات ثابتة أصولها عند أسلاف كيم جونغ أون.
هناك فارق بين الاستراتيجيات والأهواء، مهما بدت شطحات الزعيم الكوري الشمالي، أو عمق الانتقادات للطريقة التي صعد بها إلى الحكم، توريثاً من الجد المؤسس، إلى الأب، قبل أن يصل المنصب إليه كأول سلالة سياسية شيوعية.
فهو وريث العقيدة الاستراتيجية للنظام الحاكم في بيونغ يانغ، التي تضفي على قوة الردع العسكرية قداسة تضارع ما يضفيه على مؤسسه من هالات تقارب الطقوس الدينية.
أسوأ قراءة ممكنة للأزمة الكورية الماثلة ردها إلى هوس بالمقامرة ينتاب رئيسها الشاب ــ إنها مسألة وجود لدولة ونظام.
ولقد انطوت الصياغة الجديدة للأزمة الكورية على صدمتين كبيرتين ومتتاليتين للولايات المتحدة. الأولى، إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات مر من فوق الأراضي اليابانية، من دون أن يكون بوسع شبكة الدفاع الأميركية التصدي له، وكان ذلك انكشافاً خطيراً ومنذراً.
والثانية، إنتاج «قنبلة هيدروجينية» قوتها التدميرية تفوق ثلاث مرات «قنبلة هيروشيما» يمكن تحميلها على مثل هذا الصاروخ الباليستي، وكان ذلك فوق ما توقعته الاستخبارات الأميركية عن حدود ما يتوافر لدى بيونغ يانغ من قدرات وروادع تقلب الموازين الحرجة في شرق آسيا.
أفلت القلق عن كل قيد وحساب في كوريا الجنوبية واليابان، ووصل صداه إلى أوروبا، حيث ارتفعت أصوات مؤثرة تحذر من أن مدى صواريخ كوريا الشمالية الباليستية يمكن أن يصل إليها بأسرع من أي توقع سابق.
في واشنطن، ارتفع مستوى التهديد الرئاسي إلى التلويح بـ«عمل عسكري ضخم» من دون أن تكون هناك فرصة حقيقية لمثل هذا العمل.
هناك قيود صارمة، وإلا فإنها مقامرة بالمصالح الأميركية الحيوية وسلامة أمن مواطنيها.
بمثل هذه الأزمات الدولية، فإن الخيارات ضيقة وموازين القوى والمصالح تحكم التصرفات الأخيرة. باليقين، هناك مساحة حركة مستقلة للرئيس الكوري الشمالي، لكنها ليست مطلقة أو مفتوحة، فالحدود يضعها بالنهاية لاعبان دوليان كبيران يمثلان نوعاً من الكفالة السياسية والاستراتيجية. أي كلام آخر أقرب إلى التهويمات.
اللاعب الأول، روسيا، التي أعلنت رفضها لتشديد العقوبات على كوريا الشمالية في مجلس الأمن، وحذرت من مغبة «الهستيريا العسكرية». هذا خط أحمر يمنع احتمال صدور قرار أممي بفرض عقوبات اقتصادية تشمل النفط الخام ويمتد أثرها إلى نحو ١٧ دولة لها علاقات تجارية مع بيونغ يانغ، بينها ٣ دول إقليمية، هي: مصر، إيران وتركيا.
أرجو أن نتذكر ــ أولاً ــ أن الرئيس ترومان تدخل في الحرب الكورية عبر مجلس الأمن ووظف في ظل غياب سوفياتي الأمم المتحدة في تلك الحرب. الرئيس الحالي دونالد ترامب لديه النزعة ذاتها، غير أن الظروف تختلف والحرج الدبلوماسي له حدود في إدانة كوريا الشمالية.
وأرجو أن نتذكر ــ ثانياً ــ أن ترومان تعرض لانتقادات بالغة بسبب دخوله الحرب من دون موافقة من الكونغرس على إعلانها. لا يبدو أن ترامب يميل ــ حتى هذه اللحظة ــ إلى الحصول على مثل هذه الرخصة، فالدخول إلى معاركها أقرب إلى حقول ألغام بلا نهاية.
بشيء من التنسيق الظاهر، بدأ اللاعب الثاني ــ الصين ــ يقدم اقتراحاته للخروج من الأزمة مثل تجميد التجارب النووية والصاروخية الكورية الشمالية مقابل تعليق المناورة العسكرية الأميركية المقررة مع كوريا الجنوبية.
الأميركيون اعتبروا الاقتراح الصيني مهيناً، لكن هذه هي موازين القوى وحسابات الردع المتبادل. هذا السيناريو يشبه إلى حد كبير نهاية أزمة دولية مماثلة جرت وقائعها مطلع ستينيات القرن الماضي عند إحدى ذرى الحرب الباردة سميت أزمة «الصواريخ السوفياتية في كوبا»، وقد نظرت إليها الولايات المتحدة تحت رئاسة جون كينيدي على أنها تهديد مباشر لأمنها القومي.
تلك الأزمة نشأت بعد فشل غزو جنوب كوبا من قبل مرتزقة جنّدتهم ودرّبتهم الاستخبارات الأميركية.
كان من نتائج ذلك الفشل لجوء الاتحاد السوفياتي إلى نصب صواريخ نووية في كوبا كنوع من الردع حتى لا يتكرر سيناريو الغزو وكنوع آخر من الرد على نصب صواريخ نووية أميركية في إيطاليا وتركيا.
بتوازنات القوة، جرى استبعاد سيناريو التدخل العسكري المباشر، الذي كانت تلح عليه بعض الدوائر الأميركية النافذة.
كما جرى استبعاد خيار فرض حصار بحري على كوبا، فالعائد لن يكون كبيراً في ظل الدعم السوفياتي.
هكذا تم التوصل إلى صفقة كواليس تعهدت الولايات المتحدة بمقتضاها عدم غزو كوبا مرة ثانية، وأزالت صواريخها النووية من تركيا وإيطاليا مقابل إزالة الصواريخ النووية السوفياتية من فوق الأراضي الكوبية.
شيء من ذلك السيناريو مرجح الآن أكثر من غيره، رغم «الصخب النووي».
*كاتب وصحافي مصري