حصلت أنجيلا ميركل على ولايتها الرابعة مستشارة لألمانيا بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت أمس، في مهمة ستكون صعبة عليها، في ظل التشتت الذي خيّم على خريطة النفوذ المنبثقة عن النتائج الانتخابية، وهو الأمر الذي يجعل من توقع شكل الائتلاف الحاكم المقبل (الذي لن يكون «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» جزءاً منه) أمراً معقداً.

وفي الوقت نفسه، تواجه «زعيمة العالم الحر» معارضة يمينية متطرفة، برزت كتيار سياسي ثالث في البلاد، وهي سابقة لم تشهدها ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.
وخرجت نتائج الانتخابات الألمانية بانتكاسة بسيطة لحزب ميركل «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» الذي ضمن 33.1 في المئة من الأصوات. إلا أنّ ميركل أعربت عن خيبة أملها بالنتائج، متحدثة عن مدة برلمانية مليئة بالتحديات، وعن مهمة أساسية وهي تشكيل حكومة.

في الأثناء، خطف «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الأضواء مع حصوله على نسبة 13.2 في المئة من الأصوات، وضعته في مركز ثالث أكبر حزب ألماني مع حوالى 88 مقعداً في البرلمان، وهو اختراق تاريخي للحزب الذي أسس عام 2013.
وبعد إعلان النتائج، وعد «البديل» الذي يعكس تقدمه اللافت وجود فراغ في اليمين التقليدي في البلاد، بـ«تغيير هذا البلد» و«مطاردة السيدة ميركل»، واعداً أيضاً بـ«استعادة البلاد». ويقوي الدخول إلى البرلمان مركز «البديل من أجل ألمانيا» وقدرته على التأثير في سياسات البلاد من خلال مشاركة أعضائه في لجان برلمانية في المستقبل، وقد يدفع الأحزاب الحاكمة نحو اعتماد سياسات واضحة بخصوص مسألة الهجرة، وقد يؤدي ذلك في المستقبل إلى تمكنه من إعادة صياغة الهوية الوطنية الألمانية.
وتمكن «البديل» من قضم أصوات من المحافظين رغم تطرف بعض قادته ودعوتهم الألمان الى أن يكونوا فخورين بأعمال جنودهم خلال الحرب العالمية الثانية، وهو أمر لم يحصل سابقاً في بلد تقوم هويته الأساسية على نبذ النازية ونبذ التطرف. ولم يتردد وزير الخارجية سيغمار غابريال، في القول، حتى قبل موعد الانتخابات، إنّ دخول هذا الحزب إلى البوندستاغ سيسجل عودة النازيين الى ألمانيا «للمرة الأولى منذ أكثر من سبعين عاماً».


حصد اليمين المتطرف مركزاً يمنحه قدرة تأثيرعلى سياسات البلاد


وقد حضر التحدي الذي خلقه هذا الحزب في كلمة ميركل، أمس، التي قالت لمناصريها إن دخوله إلى البرلمان يشكل تحدياً كبيراً وجديداً، مضيفة أنها ترغب في استعادة الأصوات التي سرقها من المحافظين من خلال اعتماد «سياسات جيدة».
استعادة ثقة الناخبين موضوع تحدث عنه أيضاً هورت سيهوفر، وهو زعيم «الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، الفرع البافاري من حزب ميركل، بقوله «إننا ارتكبنا خطأ بترك الجناح اليميني في البلاد مفتوحاً، لكنني لن ألوم أحداً، بل علينا أن نعمل لاستعادة ثقة الناخبين». وأضاف أنه يوجد «فراغ في اليمين سنعمل على إغلاقه بالسياسة بما يضمن أن تبقى ألمانيا (نفسها)». وسبق لصحيفة «دير شبيغل» أن أوحت في إحدى افتتاحياتها بالمسؤولية التي يتحملها اليمين التقليدي في البلاد بقولها إن «ميركل هي أم البديل من أجل ألمانيا» وإنها فشلت في منع «النازيين من الدخول إلى البوندستاغ».
في غضون ذلك، قد يمنح وجود ميركل على رأس الدولة الألمانية شيئاً من الاستقرار في الغرب، مقارنة بأوقات الغموض العصيبة مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن المستقبل يطرح تساؤلات عدة أمام «زعيمة العالم الحر» التي سيرسم الائتلاف الذي ستعقده مع الأحزاب الأخرى شكل ألمانيا لأربع سنوات مقبلة.
وفيما حكمت ميركل بين عامي 2013 و2017 إلى جانب «الحزب الاشتراكي الديموقراطي»، إلا أن الأخير أعلن أمس رفضه التام لأي ائتلاف مع ميركل من جديد وذلك بعدما حصل على نسبة 20.4 في المئة من الأصوات وهي النتيحة الأسوأ في تاريخه في حقبة ما بعد الحرب.
إضافة إلى ذلك، حصل «الحزب الديموقراطي الحر» على 10 في المئة، بينما مني «حزب الخضر» بخسارة كبيرة مع حصوله على نسبة 9.3 في المئة من الأصوات، في مقابل حصول الحزب اليساري «دي لينكي» على نسبة 8.9 في المئة.
ولا تهم، في ظل تلك النتائج المشتتة، القوة التي تتمتع بها أنجيلا ميركل، إذ إنها ستحتاج الآن إلى تقديم التنازلات إلى الأحزاب الأخرى لتتمكن من عقد ائتلاف يقدم الاستقرار لبلادها. وعلى سبيل المثال، أجبرت ميركل على قبول شرط «الاشتراكي الديموقراطي» بوضع حد أدنى للأجور في الانتخابات الماضية، فيما يظهر أن «حزب الخضر» قد يدفع هذه المرة نحو إغلاق محطات الفحم البني، وهو أمر عكس إرادة ميركل.
ومع شطب احتمال عقد ائتلاف بين المحافظين والاشتراكيين نهائياً، قد تجد برلين نفسها أمام تحالف «أسود – أصفر – أخضر»، أي بين «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» وشقيقه البافاري مع «الحزب الديموقراطي الحر» المؤيد للأعمال، بالإضافة إلى «الخضر»، وهو ائتلاف يملأه التناقَض، إذ فيما يريد «الخضر» إلغاء 20 محطة فحم بني، لا يوافق «الديموقراطي الحر» على ذلك.
أما الخيار الثاني، الذي يبدو صعب التحقيق، فهو تحالف «أسود – أصفر» بين ميركل و«الديموقراطي الحر»، وعلى الرغم من أنه الخيار المفضل لدى ميركل، لكن عدد نواب الحزبين في البوندستاغ قد لا يكفي لخلق أغلبية حاكمة. وقد يدفع «الحزب الديموقراطي الحر» نحو اعتماد قانون هجرة جديد لا يرغب فيه «الاتحاد المسيحي الديموقراطي». كذلك، قد تضطر ميركل إلى القبول بشروط حزبين إذا لم تتمكن من تحقيق أغلبية حاكمة من حزب واحد آخر، وهذا يرفع من احتمال وجود نقاشات محتدمة داخل الحكومة المنتظرة.
ويمكن أن تتواصل المحادثات لتشكيل الائتلاف الجديد حتى نهاية العام الحالي، ولن تصبح ميركل مستشارة إلا بعد نجاحها في تشكيله. وسيكون على هذا الائتلاف الجديد تحمل مسؤوليات كبيرة إزاء إصلاح منطقة اليورو، ومستقبل العلاقات بين ضفتي الأطلسي، ومسألة العقوبات على روسيا، إضافة إلى العلاقة مع تركيا وقضية دخولها إلى الاتحاد الأوروبي.
(الأخبار)