انتهى عهد الهدوء وبدأ عهد النقاشات المحتدمة في السياسة الألمانية مع الفوز الهش الذي حققته المستشارة أنجيلا ميركل في الانتخابات البرلمانية، أول من أمس. ومع تلك النتائج المشتتة، بدأت مهمة ميركل بجس نبض الفرقاء السياسيين في البلاد بهدف التوصل إلى ائتلاف حاكم قد يتكوّن على الأرجح، إضافة إلى «الاتحاد المسيحي الديموقراطي»، من الليبراليين المؤيدين لقطاع الأعمال و«الخضر»، وهو ما يعني حكومة مليئة بالتناقضات.


وسوف تشكل المرحلة المقبلة في ألمانيا تحدياً كبيراً على المستوى الأوروبي، إذ مع تشكيل الائتلاف المذكور، سوف يصبح من الصعب المضي قدماً بخطط فرنسا الإصلاحية للاتحاد، وهو ما عبّرت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية في افتتاحيتها، أمس، بقولها إن الانتخابات الألمانية هي بمثابة «خبر سيّئ لفرنسا». وقد هنّأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هاتفياً، المستشارة الألمانية بفوزها في الانتخابات التشريعية الألمانية، مؤكداً أنهما سيواصلان معاً «بعزم» مسيرة «التعاون الضروري» بينهما.
ويزيد الوضع تعقيداً وجود «حزب البديل لأجل ألمانيا» ككتلة برلمانية كبيرة، والذي مثل انتخاب 12.6 في المئة من الألمان له الثمن الذي دفعته ميركل «مقابل سياسة اللاجئين»، وهي سياسة ستتغيّر على الأرجح مع ولادة الحكومة الجديدة المتوقعة بعد عدة أشهر.
وعلى المستوى الأوروبي، وكما حصل في عام 2013، سيدخل الاتحاد في مرحلة «تباطؤ»، خصوصاً أن القضايا الملحّة، مثل الضرائب وسياسة الطاقة وأزمة المهاجرين، ستناقش بداية على المستوى المحلي وليس على المستوى الأوروبي. وسيحصل ذلك النقاش في ظل وجود برامج متناقضة، وفي ظل إصرار الليبراليين الذين عادوا بعد غياب أربع سنوات إلى البرلمان على عدم التنازل عن إصلاحاتهم.
ومع صعوبة استغنائها عن الليبراليين، سيكون على ميركل التوصل إلى اتفاق معهم بشأن مواضيع معقدة، بينها محطات توليد الطاقة من الفحم الحجري ومستقبل الديزل. من جهة ثانية، قد يكون أول ضحايا الزعيم الشاب للحزب الليبرالي، كريستيان ليندنر، مشروع إصلاح منطقة اليورو الذي بادر إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ سارع الليبراليون، أمس، إلى التحذير من أنهم سيعارضون مشروع ماكرون لموازنة منطقة اليورو. ويريد الليبراليون الإفادة من فائض الموازنة الألمانية لخفض الضرائب على دافعي الضريبة الألمان وليس لمساعدة باقي أوروبا.
وقال ليندنر إنّه «بشأن موازنة منطقة اليورو، يتحدث السيد ماكرون عن عدة نقاط من الناتج الإجمالي، وهذا يمثل أكثر من 60 مليار يورو بالنسبة لألمانيا، وهذه الأموال ستذهب إلى فرنسا للنفقات العامة أو إلى إيطاليا لإصلاح أخطاء سيلفيو بيرلوسكوني. هذا أمر غير معقول بالنسبة إلينا وسيشكل خطاً أحمر». وتلقى هذه المقاربة، مبدئياً، دعم وزير المالية الألماني القوي، فولغانغ شويبله، المشكك في هذا التوجه. وهذا بالتأكيد سيكون مصدر قلق لماكرون أولاً، ولميركل أيضاً، إذ بعكس الليبراليين، فإن «الخضر» يريدون «إنهاء السياسة الأحادية للاقتصادات» الأوروبية. وعلقت صحيفة «فرنكفورتر» المحافظة على هذا التناقض بالقول إنه «سيكون من الشاق التوصل الى موقف مشترك».
وبشأن السياسة الخارجية، سوف تواجه ميركل، المؤيدة لإبقاء العقوبات على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية، مجلس نواب قريباً من روسيا أكثر من قبل. ويدعو «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» و«البيئيون» فقط، من بين سبعة أحزاب ممثلة في مجلس النواب، إلى التشدد في موضوع روسيا، فيما تسعى كل الأحزاب الأخرى، من اليمين القومي إلى اليسار الراديكالي والاشتراكيين والليبراليين وحتى «الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، إلى توافق مع موسكو. ومع مطالبة الليبراليين بالاعتراف بإعادة ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا ورفع العقوبات عنها، ستكون الضغوط على ميركل حقيقية.
التحدي الآخر هو الاختلاف مع الولايات المتحدة بشأن مواضيع عدة مثل التبادل الحر والملف النووي الإيراني والمناخ واتفاق المهاجرين. وبرز في الآونة الأخيرة خلاف بين ميركل والرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن موضوع كوريا الشمالية، إذ قالت ميركل إن «هناك خلافاً واضحاً على هذه النقطة مع الرئيس الأميركي» وتهديداته بالخيارات العسكرية. أما «حقل الألغام» الأكبر الذي ينتظر ميركل فهو أوروبا الشرقية، خصوصاً بولندا والمجر اللتين ترفضان المشاركة في استقبال اللاجئين في أوروبا، إلى جانب ألمانيا.


تواجه ميركل برلماناً قريباً من روسيا ومعارضاً للعقوبات عليها

من جهة ثانية، فإن الصراع المستمر بين أنقرة وبرلين في السنتين الماضيتين وتدهوره خلال الحملة الانتخابية، يشكل عامل توتر إضافياً في سياسة ألمانيا الخارجية في الأيام المقبلة. لكن وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، سعى إلى تخفيف التوتر، أمس، في مقابلة تلفزيونية، بقوله إن تركيا ستتخذ خطوتين تجاه تطبيع العلاقات مع ألمانيا إذا اتخذت الأخيرة خطوة واحدة.
وإلى جانب «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» الذي واجه أكبر خسارة له، سيقف «البديل لأجل ألمانيا» في المعارضة. لكن الحزب الذي يوصف بـ«النازيين الجدد» يعاني من انقسامات داخلية، ظهرت أمس مع قول أحد زعمائه المشاركين، فراوكه بيتري، إنها لن تجلس في البرلمان مع أعضاء حزبها. وانسحبت بيتري التي اعتبرت لفترة طويلة أشهر وجه في الحزب، لكن ظهورها تراجع في الأشهر الماضية، من مؤتمر صحافي بحدة بعدما قالت إنها ستقبل مقعدها البرلماني لكنها لن تكون جزءاً من المجموعة البرلمانية لحزبها.
وقالت بيتري في مؤتمر صحافي مشترك مع قادة آخرين في الحزب إن «علينا أن نقرّ بصراحة اليوم بوجود خلاف على المحتوى في حزب البديل لأجل ألمانيا، وأعتقد أن علينا ألا نسكت عن ذلك، لأن المجتمع يدعو إلى حوار مفتوح». وأضافت بيتري أن «حزب البديل لأجل ألمانيا» بصفته «حزباً غير سلطوي»، بإمكانه أن يكون ناجحاً في المعارضة، لكنه لن يتمكن من تقديم خيار للناخبين يتمتع بالمصداقية كحكومة. وساقت ذلك كسبب لقرارها عدم تسلّم مقعدها البرلماني كجزء من مجموعة الحزب.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)