قد يؤدي الإطار الزمني برئيس إقليم كاتالونيا كارلس بيغديمونت إلى إعلان تشكيل جمهورية كاتالونيا في السادس من الشهر الحالي، أي بعد 83 عاماً تحديداً على إعلان سلفه لويس كومبانيس، استقلال الإقليم، ليُنفى بعدها بسنوات، ويعدم من قبل الزعيم الإسباني فرانشيسكو فرانكو. وقد تنطوي نتائج الاستفتاء الذي أُجري على استقلال كاتالونيا، أول من أمس، على حلول ترقيعية تبتدعها الحكومة الإسبانية، في وقت بات فيه من الجليّ أن بيغديمونت يتحدّث من موقع قوة يُحسب له ألف حساب، ولن يكون من السهل التعامل معه.


اليوم، يتّجه بيغديمونت إلى مواجهة مع الدولة الإسبانية، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، فيما يبدو من الواضح أن الأمور تنحو باتجاه أزمة سياسية بالنسبة إلى إدارة رئيس الحكومة الإسبانية مانويل راخوي، الذي يجد نفسه أمام خيارات عدة، أحلاها مرّ. يواجه هذا الأخير أكبر أزمة دستورية تشهدها بلاده منذ عشرات السنين، بعدما فتح استفتاء الاستقلال الباب أمام سعي أغنى أقاليم إسبانيا للتحرّك صوب الانفصال، بدءاً من الأسبوع الحالي.
وعلى الرغم من أن العديد من المحلّلين يتوقّعون حلّ الأزمة، في نهاية المطاف، بعرض راخوي حكماً ذاتياً أوسع على الإقليم، يستحضر البعض الآخر خياراً يتمثّل في أن يقوم رئيس الحكومة باستدعاء المادة 155 من الدستور، والتي تنص على أنه «بعد الموافقة التي تمنحها الأغلبية العظمى في مجلس الشيوخ»، سيكون بإمكان مدريد تعليق الحكم الذاتي الذي تتمتع به كاتالونيا. وينبع هذا الخيار من واقع أن الدستور، الذي وُضع في عام 1978، ينصّ على أن البلاد غير قابلة للتقسيم، كما يمنح حكومة البلاد القوة الحصرية لإجراء الاستفتاءات. وقد استند إليها وزير العدل رافايل كاتالا، ليعلن أمس أن الدولة ستقوم «بكل ما يسمح به القانون».


أشار وزير العدل إلى إمكانية تجميد سلطات حكومة كاتالونيا

مع ذلك، يبدو أن رئيس الإقليم غير مهتم لهذا الاحتمال، بل إنه يُظهر جرأة سياسية منحه إياها مليونا شخص صوّتوا لمصلحة الاستقلال (أي نسبة 90% من المقترعين)، وعبّر هو عنها بعبارة: كاتالونيا «حازت الحق بأن تُسمع، وتُحترم، ويُعترف بها». بل إنه توجّه إلى «مواطنيه» بالقول: «يا مواطني كاتالونيا، لقد كسبنا الحق بأن تكون لدينا دولة مستقلة على شكل جمهورية». ودعا الاتحاد الأوروبي إلى الانخراط، بشكل مباشر، في النزاع بين إقليم كاتالونيا والدولة الإسبانية، قائلاً: «نحن مواطنون أوروبيون ونعاني من انتهاكات لحقوقنا وحرياتنا».
بيغديمونت لم يُعلن الاستقلال الآني، فقد أوضح أنه سيطرح النتائج على البرلمان المحلي، الذي يملك عندئذ سلطة بدء عملية الاستقلال. مع ذلك، يبدو من الواضح أن تصريحاته ستُستخدم من قبل قوى المعارضة الإسبانية، لتعرقل عمل راخوي الذي يقود أقلية في حكومة تعاني من موقف غير مستقر، حالياً. وفوق ذلك، يبدو أن العنف الذي استخدمته الشرطة الإسبانية في كاتالونيا، الأحد، زاد الأمر سوءاً، ولا سيما أن حاكم برشلونة آدا كولو، دعا إلى استقالة راخوي، متهماً إياه بتخطي «الخطوط الحمر من خلال أعمال الشرطة ضد الناس»، والتي أدت إلى إصابة حوالى 800 شخص.
فضلاً عمّا تقدّم، خلقت الأزمة الكاتالونية مشاكل أكبر لجهود راخوي الهادفة إلى حكم إسبانيا، كرئيس لحكومة أقلية تعتمد على دعم «الأحزاب الإقليمية» من أجل إمرار التشريعات. ومثال على ذلك اضطراره، الأسبوع الماضي، إلى سحب خطط لتقديم ميزانية عام 2018، بعدما تمنّع حلفاؤه في إقليم الباسك عن دعمه، في الوقت الذي كانوا فيه ينتقدون موقفه من الأزمة مع كاتالونيا.
ولكن تداعيات الاستفتاء لا تنحصر بالشق السياسي، فهو سيضر بالاقتصاد الإسباني الناهض. ومن هنا يمكن الإشارة إلى أن لكاتالونيا أهمية اقتصادية كبرى بالنسبة إلى إسبانيا ــ وهي تمثّل نحو 19 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، أي حوالى خمس الاقتصاد الإسباني. كما أن الإقليم يعدّ مركزاً للصناعة والسياحة، فيما يشكل قاعدة إنتاجية لشركات عالمية كبرى، مثل «فولكسفاغن» و«نستله»، ويضم أسرع موانئ الشحن نمواً في أوروبا.
وعلى الرغم من أن مشاهد العنف تُضرّ بصورة كبيرة كل البلاد، بشكل عام، إلا أن البعض يرى أن موقف راخوي لا يزال جيداً نظراً إلى قاعدته الأساسية ضمن المحافظين الإسبان، وذلك وفقاً لما يقوله المحلل السياسي أنطونيو باروسو لموقع «بلومبرغ». يرى هذا الأخير أنه «ليس من الضروري أن يتضرّر راخوي، على المدى القصير»، ويضيف أن «الانقسامات قد تصبح أكثر رسوخاً في إسبانيا، على المدى الطويل».
وأكبر دليل على كلام باروسو هو أن الأزمة لم تعرّض حكومة الأقلية لخطر التأييد، عموماً، فقد دعمت الأحزاب الرئيسية معارضة راخوي لاستقلال كاتالونيا، منتقدة في الوقت ذاته أسلوب إدارته للأزمة، وهو الأمر الذي تبنّته غالبية الصحف الإسبانية، التي أجمعت على انتقاد بيغديمونت لإجرائه الاستفتاء، رغم قرار المحكمة الدستورية الذي اعتبره غير شرعي.
انتقدت هذه الصحف طريقة تعاطي راخوي مع الأزمة. ورأت صحيفة «ايل موندو» المحافظة أن استراتيجية الحكومة في انتظار إجراء الاستفتاء وإرسال الشرطة لمنعه كانت فاشلة. وكتبت: «ليس بإمكانها منع المشاهد الدرامية من الانتشار في أنحاء العالم». أما صحيفة «إيل بايس» الشعبية والمعارضة للاستفتاء، فرأت أن راخوي أظهر «عجزاً تاماً عن إدارة المشكلة»، منذ بدء أزمة كاتالونيا.
على العموم، بات من الواضح أن الاستفتاء، مع ما شهده من أعمال عنف، سيؤدي إلى زيادة التوترات في الإقليم، الذي يبلغ عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة، وكان في السابق إمارة لها لغتها وثقافتها. وليس تجمّع المئات وسط برشلونة، أمس، للاحتجاج على عنف الشرطة سوى البداية. هؤلاء ردّدوا: «الشارع سيكون لنا على الدوام»، وهي عبارة أصبحت شعاراً يحرّك مؤيدي الاستفتاء.
أما على المستوى السياسي الظرفي، فيرى بعض المحلّلين أن مشاهد القمع الأمني قد تعزّز الدعم الدولي للانفصاليين. ومن هذا المنطلق، قال المحلّل فيدريكو سانتي من مجموعة «يورآسيا» الاستشارية، إن «انفصال كاتالونيا لا يزال غير مرجّح، ولكن بات للمشاعر الانفصالية زخمها الخاص بها، حيث ستكون الأزمة المؤسّساتية الناتجة من ذلك شديدة وتشكل مخاطر أساسية على المستقبل الاقتصادي لإسبانيا».
(الأخبار)