تونس | على عكس طغاة أفريقيا والعالم الثالث الكُثُر، لم يُعيِّن توماس سانكارا نفسه «ملك ملوك أفريقيا» كما فعل معمّر القذافي، أو «الرئيس المشير الحاج» كما فعل عيدي أمين مثلاً؛ فقد صرّح على منصّة الأمم المتحدة قائلاً: «لستُ منقذاً أو نبيّاً، ولا أمتلك أيّ حقائق».


لم يكن أحد الراغبين في السّلطة من أجل السّلطة. قال في أحد حواراته إنّ المرء «لا يُقرر أن يكون على رأس دولة، بل يقرر أن يُنهي هذا الشكل أو ذاك من التنمّر أو الإذلال، أو هذا الشكل أو ذاك من الهيمنة. ذلك كلّ ما في الأمر». من المستحيل، وفقه، «خوض صراع كتعِلّة (كمبرر) ورافعة لمسك السلطة، لأنّ الأقنعة تسقط بسرعة».
لم تأتِ الثورة البوركينيّة من فراغ. استقلّت البلاد عن فرنسا عام 1960، ورغم فترة قصيرة من الديموقراطيّة البرلمانيّة التي احتكرتها النخب الحضريّة، عصفت الانقلابات بالبلاد. تلازم ذلك مع بقاء الأُميّة في نسبة تسعينيّة، وإفقار مستمر لريف البلاد وأغلبيّة سكانها. نتيجة ذلك، جاءت ثورة سانكارا ورفاقه، وتميّز نظامهم الجديد، رغم قصر عمره (1983-1987)، بشنّ حروب داخليّة وأخرى دوليّة توسّعت مع مرور الأيام، ورغم أنها لم تحقق سوى جزءٍ يسير من أهدافها، إلا أنّها تجرأت على تخيّل عالمٍ آخر أكثر عدلاً.


نعم، أتمنى
أن أتحدث نيابةً عن جميع أولئك المنسيِّين، لأنّي إنسان

على الصعيد الداخلي، أعلن سانكارا الحرب على التصحّر والأميّة والمتنفذين في الريف والمدينة، وعلى الثقافة الذكوريّة المضطهدة للمرأة، ولم يكتفِ في حربه بأجهزة الدولة (الضعيفة أصلاً والرافضة في أحيان كثيرة للتغيير)، إنّما عوّل على تعبئة الشعب عبر خلق حلم جماعيّ يستحقّ التضحية من أجله. وفيما كانت «لجان الدفاع عن الثورة» تُجنّد المتطوعين لزرع الأشجار وبناء المدارس وقاعات السينما الشعبيّة والمستشفيات ومدّ السكك الحديديّة بالأيدي العارية، كان النظام الثوريّ يصارع الإقطاعيّين ومُترفي المدن.
كان رأي الرئيس الشاب (ولد عام 1949) حاسماً في المعركة مع كبار ملاكي الأراضي، فبالنسبة إليه «كانت أشكال التنظّم التقليديّة في البلاد تتعرّض للهجوم، وذلك أمر عاديّ [لأنّه] نظام إقطاعيّ لا يسمح بالتنمية ويحرم الجماهير حتى من حدّ أدنى من العدالة الاجتماعيّة أو من مساحة تنمو فيها الزهور»، فكانت النتيجة تأميم الأرض وتمكين من يزرعها منها.
أما في المدن، فقد أمر سانكارا، رغم حبّه للموسيقى وشغفه بآلة الغيتار، بغلق النوادي الليليّة. بالنسبة إليه، كان من غير العادل أن يَصرف شخصٌ ثمن علبة كوكا كولا، بينما يعمل فلاح أو فقير أياماً لتحصيل ثمنها. كانت فكرته في ضرورة أن يُضحي الجميع؛ أن يكونوا جزءاً من مشروع واحد. ترافق ذلك مع موازنة تقشفيّة، إذ قُلِّصت رواتب الموظفين (ومن ضمنهم راتبه هو)، التي كانت تبتلع غالبية موازنة البلاد، فيما تَبتلع مخصصات تسديد القروض (التي قاد حملة أفريقيّة ضدها في ما بعد) أغلب ما تبقى. أما الهدف فكان توفير أكبر قدر ممكن من المال لمصلحة تعزيز البنية التحتيّة والتنمية الإنسانيّة.
على الصعيد الخارجي، استُهلت الصراعات بتغيير تسمية البلاد الاستعماريّة، فصارت بوركينا فاسو بعدما كانت تسمى «فولتا العليا». كان توماس سانكارا يسعى إلى بناء جبهة تضامنيّة على امتداد القارات الثلاث؛ أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة. كان يشعر بأنّه معنيّ بنضالات شعوبها، ويقول في ذلك: «نعم، أتمنى أن أتحدث نيابة عن جميع أولئك «المنسيّين»، لأنّي إنسان، ولا شيء إنسانيّاً غريب عنّي».
على منبرَي الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقيّة، وفي حواراته وخطاباته، لم يتردد سانكارا في إعلان تضامنه مع القضايا العادلة، من فلسطين إلى جنوب أفريقيا، وصولاً إلى نيكاراغوا وغرينادا، والتنديد بالحروب الضّارة، من الهجوم الذي شنته مالي (بدعم فرنسيّ وغربيّ) على بلاده، إلى الحرب العراقيّة ــ الإيرانيّة التي اعتبرها «حرباً أخويّة وانتحاريّة». ورغم تكوينه العسكريّ وولعه بارتداء البزّة العسكريّة، كان الرجل واعياً لخطورة الاندفاع العسكريّ والحروب، إذ يقول «كرجل عسكريّ، لا يمكنني أن أنسى الجنديّ الذي يطيع الأوامر وإصبعه على الزناد، والذي يعرف أنّ الرصاصة التي تطلق لا تحمل إلا رسالة موت». وينبع هذا الموقف من إيمانه بأنّ «جذور الداء سياسيّة، ولا يمكن إلا أن يكون الحلّ سياسيّاً».
تشمل الجبهة السياسيّة والثقافيّة التي أراد سانكارا تشييدها، المهمّشين داخل المراكز الإمبرياليّة. في إحدى زياراته المتعددة لحيّ هارلم في الولايات المتحدة، قال: «إنّ بيتنا الأبيض يقع في هارلم السوداء». كان ذلك قبل يوم من اعتلائه منبر الأمم المتحدة، حيث نقل هموم السود الأميركيّين والهنود الحمر وربطها بهموم شعوب «العالم الثالث». ولم تقتصر الجبهة على الأقليّات والفئات المضطهدة، بل شملت كذلك «الفنانين، الشعراء، الموسيقيّين والممثلين» الذين اعتبرهم أناساً طيّبين يُمتهن فنّهم في تجارة الفُرجة، وكذلك الصحافيّين الذين يُدفعون إما «للصمت أو لقول الأكاذيب» حتى يتجنبوا قانون البطالة القاسي.
جبهات الصراع التي فتحها «الحالم الأفريقيّ» داخليّاً وخارجيّاً في أربع سنوات، صنعت له العديد من الأعداء، ومع ذلك كانت شعبيّة النظام الذي شيّده تجعل إسقاطه من خارجه أمراً متعذراً. سقط نظام سانكارا من الداخل، إذ انقلب عليه نائبه ووزير دفاعه والرفيق الأقرب إليه، بليز كومباوري (وهو نفسه سقط بثورة شعبيّة في مثل هذا الشهر عام 2014، لعب فيها السانكاريّون دوراً مهمّاً). لكن آخر التحقيقات تشير إلى إمكانيّة ارتباط اغتيال توماس سانكارا بمخططات لتحقيق تغييرات في غرب أفريقيا. ورغم شحّ المعلومات والتفاصيل، يعقُدُ بعض المؤرخين الأفارقة علاقة بين الاغتيال وبين بروز مجرم الحرب الليبيريّ تشارلز تايلور، إذ تحالف الأخير مع كومباوري الذي ساهم في إخراجه من سجنه وعرّفه إلى معمّر القذافي (الساعي إلى احتكار الزعامة الأفريقيّة)، فتكفّل الأخير بتدريبه على الأراضي الليبيّة هو ومجموعاته المقاتلة، قبل أن يعود إلى ليبيريا ويكون أحد جزاري حربها الأهليّة.