قرّر الاتحاد الأوروبي، الذي يريد إنقاذ الاتفاق النووي بأي ثمن، أمس، أن يوفد وزيرة خارجيته فيديريكا موغيريني إلى واشنطن، في مطلع تشرين الثاني، للدفاع عن هذه التسوية التي تُعَدّ «أساسية لأمن المنطقة»، فيما كرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلانه أن هناك «احتمالاً فعلياً» لإلغاء الاتفاق، بعد ثلاثة أيام على رفضه الإقرار بامتثال طهران لالتزاماتها.


وقال ترامب من البيت الأبيض: «يمكن أن يكون هناك إلغاء كلي للاتفاق، إنه احتمال فعلي»، مضيفاً أن المرحلة الجديدة يمكن أن تكون «إيجابية جداً».
تصريحات ترامب جاءت في وقت تعهّد فيه الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن الاتفاق النووي، وحثّ أعضاء الكونغرس الأميركي على عدم العودة لفرض العقوبات. وقادت ألمانيا وفرنسا الأصوات المحذّرة للولايات المتحدة، أقرب حليف للاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية، من أن أي إضعاف للاتفاق الذي يمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، قد تكون له عواقب وخيمة على السلام.
وعقدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، التي رأست المرحلة الأخيرة من مفاوضات الاتفاق، محادثات مُغلقة بشأن كيفية تعامل دول الاتحاد في هذا الأمر، فيما بحث الوزراء كيفية التعامل مع برنامج إيران الصاروخي. وأكدت موغيريني أنه اتفاق ناجح، وذلك في الوقت الذي شهدت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران ملتزمة الاتفاق. ثم أعلنت، لاحقاً، إجراء زيارة لواشنطن «في مطلع تشرين الثاني»، لحثّ أعضاء الكونغرس على عدم الانسحاب من الاتفاق النووي. وقالت: «هذا الاتفاق ضروري من أجل أمن المنطقة».


كرّر ترامب إعلانه أن هناك «احتمالاً فعلياً» لإلغاء الاتفاق النووي


وفي السياق، عبّرت باريس ولندن وبرلين عن القلق إزاء «التداعيات على أمن الولايات المتحدة وحلفائها»، التي يمكن أن تخلّفها الإجراءات التي يطالب بها ترامب. وقال وزير الخارجية الألمانية سيغمار غابرييل إن التخلي عن الاتفاق مع إيران «يمكن أن يقودنا إلى العودة إلى مواجهة عسكرية» بين الولايات المتحدة وإيران.
من جهته، رأى وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان أن «القيام بقطيعة، سيكون مضراً للغاية»، داعياً إلى أن يمارس الاتحاد الأوروبي «ضغوطاً على الكونغرس». وأعرب لو دريان عن أمله في ألا يعرّض الكونغرس الاتفاق النووي للخطر. وقال: «بعد قرار الرئيس ترامب عدم التصديق على الاتفاق، القرار لا يتفق مع ما نعتقده أو ما تعتقده الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا المستشارة الألمانية، ولا رئيسة الوزراء البريطانية، ولا ما قاله الرئيس (الفرنسي إيمانويل) ماكرون». وأضاف: «نأمل أنّ الكونغرس لن يعرض هذا الاتفاق للخطر».
كذلك، عبّر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي «بوضوح عن قلقهم» من أن الجدل الأميركي بشأن الاتفاق النووي «يمكن أن يترك أثراً سلبياً على احتمال فتح مفاوضات» مع بيونغ يانغ. وقال وزير خارجية لوكسمبورغ جان اوسلبورن: «جغرافياً، نحن قريبون جداً من إيران، أكثر ممّا هي الولايات المتحدة»، مضيفاً: «نحن بحاجة لهذا الاتفاق الذي يحظر على الإيرانيين صنع القنبلة الذرية، إنها مصلحتنا الأساسية».
ويفرض الاتحاد الأوروبي، بالفعل، عقوبات على بعض أفراد الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أشار إليه ترامب يوم الجمعة وهو يعرض تفاصيل سياسة أكثر تشدداً تجاه إيران. وأفاد العديد من حكومات الاتحاد الأوروبي، ومنها هولندا وبريطانيا، بأن صواريخ إيران الباليستية وتدخلاتها في سوريا واليمن تدعو للقلق، لكن الوزراء أكدوا أن التركيز في الوقت الراهن يجب أن ينصبّ على إنقاذ الاتفاق النووي. ويُعَدّ الاتفاق المبرم مع إيران أكبر نجاح دبلوماسي للاتحاد، منذ عشرات السنين، وقد أُبرم بعد محادثات استمرت 12 عاماً ساعد دبلوماسيو الاتحاد في بدئها واستمرارها. ويشعر الكثيرون بالقلق من أن تتضرّر سمعة الاتحاد الأوروبي، كوسيط نزيه في عدد من الصراعات المستقبلية، إذا أعاد الكونغرس الأميركي فرض العقوبات على إيران، ما قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق.
وفي هذا السياق، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي، عن القلق إزاء «التبعات التي يمكن أن تترتب» على الحملة الحادة التي شنها ترامب على الاتفاق.
لكن الأمر «الملحّ» بالنسبة إلى وزراء خارجية الاتحاد هو الدفاع بشكل موحد عن الاتفاق، حتى لو كان الأوروبيون يشاطرون واشنطن القلق إزاء برنامج طهران البالستي و«نشاطاتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط» خصوصاً في سوريا، بحسب دبلوماسي رفض الكشف عن هويته.
وشدّد دبلوماسي آخر في بروكسل على أن هذا الاتفاق «الواضح جداً» بين طهران والقوى الكبرى (الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا) هو «أفضل ما كان من الممكن التوصل إليه». وأكد أن «هذا الاتفاق ضروري ومهم ويتيح تفادي أن تصبح طهران قوة نووية».
وأعرب الاتحاد الأوروبي عن القلق من جهة أخرى، إزاء الشركات الأوروبية التي بدأت بالعودة، ولو بشكل خجول إلى إيران، بعد رفع العقوبات الدولية المرتبطة بالاتفاق. وإذا أعاد الكونغرس الأميركي فرض عقوبات على إيران، في الأيام الستين المقبلة، فإن هذه الشركات ستواجه بشكل مؤكد ملاحقات أمام القضاء الأميركي.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)