أسابيع قليلة كانت كافية لإشعال فتيل أكبر أزمة تعيشها إسبانيا منذ عقود، نتيجة اتجاه إقليم كاتالونيا إلى الانفصال عنها، على إثر الاستفتاء الذي أُجري لتحقيق هذا الهدف، في الأول من تشرين الأول. ومع تقدّم الوقت، تزداد الهوة عمقاً بين كاتالونيا ومدريد، ليكون من آخر فصولها إعلان رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي، أول من أمس، إجراءات تتضمن إقالة زعيم كاتالونيا كارليس بيغديمونت وجميع أعضاء حكومته، ما يفتح الباب على مواجهات كبرى، في ظل استعداد الانفصاليين للرد على الخطوات الجذرية التي اتخذتها مدريد.


وفضلاً عن سيطرة مدريد على وزارات الإقليم، يمكن تلخيص النقاط الأساسية التي ستعتمد عليها خطة الحكومة الإسبانية، بناءً على ما نقلته صحيفة «إل باييس»:
1 - تُنقل صلاحية حلّ البرلمان الكاتالوني إلى رئيس الحكومة الإسبانية. وتجري انتخابات محلية خلال ستة أشهر، على الرغم من أن راخوي شدّد على أنه يريد أن «يقوم بذلك في الوقت الذي يجري فيه استرداد الحياة المؤسساتية الطبيعية».
2 ـ تدعو الحكومة المركزية مجلس الشيوخ إلى إعطاء الموافقة على حلّ حكومة الإقليم، التي يرأسها كارلس بيغديمونت. وبالتالي، تُنقل صلاحيات وزرائها إلى وزراء بالوكالة في مدريد، إلى أن ينتهي الوضع الاستثنائي. إلا أن الجنراليتات (أي الحكومة المحلية) ستواصل عملها في إطار الإدارة، على أن تكون مراقبة من قبل هؤلاء الوزراء في مدريد.
3 ـ وفيما لن يجري حلّ البرلمان الكاتالوني، حالياً، فإنه سيواصل عمله في إطار التمثيل. ولكن رئيسه لن يكون قادراً على اقتراح مرشح لرئاسة الحكومة أو التدخل في ما يتعلق بجلسات التنصيب. كذلك، فإن رئيس البرلمان سيُمنع من تنفيذ مبادرات تتعارض مع الدستور الإسباني أو الوضع الإسباني بشكل عام.
هذه الإجراءات المقترحة من قبل الحكومة المركزية يجب الموافقة عليها من قبل مجلس الشيوخ الإسباني. وإذا حصل ذلك، فستكون المرة الأولى التي تفعّل فيها مدريد إجراءات الطوارئ، من خلال الحد من الحكم الذاتي في أحد الأقاليم، منذ أن وُضع الدستور في عام 1978.
لن ينتهي الأمر بمجرّد وضع هذه الخطة؛ فبتحرّكه هذا، يدفع راخوي بإسبانيا إلى المجهول، من خلال سعيه لانتزاع سلطات الإقليم، بإجراءات قد تؤدي إلى سيطرة مدريد على جهاز شرطة كاتالونيا، واستبدال المسؤولين في وسائل إعلامها. وقد أثارت هذه الخطوة غضب الانفصاليين، الأمر الذي تبدّى بنزول نحو نصف مليون متظاهر إلى شوارع برشلونة، أول من أمس، فيما اتهم بيديغمونت رئيس الوزراء الإسباني بشن «أسوأ هجوم على مؤسسات وشعب كاتالونيا، منذ مراسيم الديكتاتور العسكري فرانشيسكو فرانكو». ومن بين الإجراءات التي اتخذها فرانكو، الذي حكم من 1939 إلى 1975، انتزاعه سلطات الإقليم الواقع في شمال شرق البلاد، ومنعه رسمياً من استخدام اللغة الكاتالونية.
وعلى المستوى العملي، تُنبئ التطوّرات باتجاه الأزمة نحو المزيد من التعقيد، خصوصاً إذا ما أُخدت في الاعتبار مختلف التصريحات والإجراءات الصادرة عن كافة الأطراف. وفي السياق، قال المتحدث باسم حكومة كاتالونيا جوردي تورول: «حصل بالأمس انقلاب كامل على مؤسسات كاتالونيا»، مضيفاً أن «ما سيجري الآن، وعبر اتفاق واتحاد من قبل الجميع، هو أننا سنعلن ما سنقوم به وكيف». وقبيل اجتماع الأحزاب الكاتالونية، اليوم، لتحديد تاريخ وأجندة لجلسة حاسمة للبرلمان الإقليمي لمناقشة الخطوات التالية، أصرّ تورول على أن مسألة الانتخابات «غير مطروحة». إلا أن وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس رأى في ردّه على الاتهامات أنه «في حال كان هناك انقلاب، فإنه يصح أن يطلق على ما قام به بيديغمونت وحكومته». وأكد في حديث إلى شبكة «بي بي سي» التلفزيونية أن «ما نقوم به هو أننا نتبع بشكل صارم بنود دستورنا».
ورغم الانقسام العميق في أوساط الكاتالونيين بشأن الانفصال، تبقى مسألة الحكم الذاتي قضية حساسة في الإقليم، الذي يعد 7,5 ملايين نسمة، ويدافع بشراسة عن لغته وثقافته، ويتولى إدارة جهاز شرطته وقطاعي التعليم والصحة.


يُتوقع أن يقرّ مجلس الشيوخ الإجراءات بحلول نهاية هذا الأسبوع

ويُتوقع أن يقرّ مجلس الشيوخ الإسباني الإجراءات بحلول نهاية هذا الأسبوع، في ظل امتلاك حزب راخوي المحافظ (الحزب الشعبي) الأغلبية في المجلس، فيما تدعم أحزاب كبرى أخرى جهوده في منع انفصال جزء من البلاد. إلا أن محلّلين ومراقبين يحذّرون من أن راخوي يواجه تحدياً خطيراً بمحاولته فرض سلطة حكومته على الإقليم. وتتضمّن السيناريوات المحتملة رفض الموظفين المدنيين وعناصر الشرطة الكاتالونية الانصياع لأوامر السلطات المركزية.
وفي هذا الإطار، كتبت صحيفة «إل باييس» المعارضة للانفصال، في افتتاحيتها أمس، أن «الإجراءات المُقترحة هي من دون شك عنفية وصارمة»، موضحة أنها «ليست الطريق التي أرادت الحكومة سلوكها، ذلك أنها مؤلمة بالنسبة لهؤلاء الذين وضعوا ودعموا الدستور». وألقت الصحيفة باللوم على الانفصاليين في كاتالونيا، وقالت إن «صدمتنا يجب أن لا تتركنا محتارين: فقط رئيس الحكومة الكاتالونية كارليس بيديغمونت، وهؤلاء الذين رافقوه ــ علناً وفي الخفاء ــ في مغامرته ضد سيادة القانون، هم مسؤولون عمّا يجري».
من جهتها، ركّزت صحيفة «ذي أوبزرفر» البريطانية على «التأثّر الأوروبي» المحتمل بالأزمة، مشيرة إلى أن «الإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة الإسبانية، السبت، والهادفة إلى إحباط انفصال كاتالونيا، ليست إلا التعبير الأخير عن أزمة هوية وشرعية سياسية أوروبية متطوّرة». وفيما أوضحت أن «الانتخابات غير المُقنعة، في عامي 2015 و2016، حطّمت سيطرة التيارات الرئيسية لأحزاب اليسار الوسط واليمين الوسط»، فقد لفتت إلى أن «حزب راخوي المُحافظ تضرّر بسبب فضائح الفساد، في وقت سجّل فيه الاشتراكيون أسوأ أداء لهم خلال العام الماضي، وسط انخفاض نسبة الإقبال على التسجيل».
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن الأحزاب الانفصالية من جميع الأطياف السياسية، من المحافظين إلى اليسار المتشدّد، هيمنت على البرلمان الكاتالوني، منذ الانتخابات الأخيرة في عام 2015، حيث احتلت 72 مقعداً من أصل 135. وفي جانب آخر، لفتت المجلّة إلى أن «رفض السياسة، وما يترتّب على ذلك من تفتّت في الجسم السياسي، يجدان صدى قوياً في أوروبا»، لتوضح أن «القوى السياسية الجديدة تسعى إلى ملء الفراغ». بناءً عليه، تساءلت «ذي أوبسرفر»: «من يمكنه أن ينقذ أوروبا من هذه التجزئة القاتلة، من هذا التحلّل المميت والزاحف إلى وحدتها الإيديولوجية والديموقراطية؟».
(الأخبار)