وصلت الأزمة بين كاتالونيا ومدريد، أمس، إلى ما هو متوقّع تبعاً لمسار الأحداث والتطورات التي وقعت منذ التصويت على استقلال الإقليم، في الأول من تشرين الأول، إلى يوم أمس. وضع رئيس الحكومة الكاتالونية كارليس بيديغمونت، الكرة في ملعب رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي ومجلس الشيوخ، من خلال الإعلان أخيراً استقلال الإقليم، بعدما كان قد أذعن عن الإدلاء الصريح بذلك في أكثر من مناسبة.


اجتمع البرلمان الكاتالوني وأصدر قراراً بقيام «الجمهورية الكاتالونية بوصفها دولة مستقلة وسيدة و(دولة) قانون، ديموقراطية واجتماعية». ثمّ أدّى النواب النشيد الانفصالي، وهتفوا «تحيا كاتالونيا»، فيما احتفل عشرات الآلاف من مؤيدي الانفصال بقرار البرلمان بالتصفيق والهتاف.
وبمعزل عن النيات المُعلنة لدى راخوي وغيره من المسؤولين الإسبان، وضع الإعلان الكاتالوني الحكومة المركزية أمام أمر واقع كانت تُعدّ له، محاوِلةً في الوقت ذاته تفاديه. وقد تبدّى ذلك في إمهال المحكمة الدستورية حكومة الإقليم، ثلاثة أيام لتعليق الاستقلال، على الرغم من أن مجلس الشيوخ كان قد فوّض إلى حكومة مدريد فرض الحكم المباشر على الإقليم، بعد دقائق على إعلان الاستقلال.
مدريد «ستعيد الشرعية» في كاتالونيا، هذا ما أكده راخوي عبر موقع «تويتر». وفي وقت متأخر من مساء أمس، أعلن راخوي في ختام جلسة لمجلس الوزراء إقالة بيديغومنت وحكومته ودعا إلى انتخابات في الإقليم، مبرراً بأنّ «هذه الخطوات الأولى التي نقوم بها لمنع الذين كانوا مسؤولين حتى الآن (السلطة التنفيذية الكاتالونية) عن مواصلة تصعيد العصيان». وأضاف «نحن كاسبان كان اليوم حزيناً، طغى خلاله اللامعقول على القانون ودمّر الديموقراطية في كاتالونيا». وتابع بالقول إنّ الوضع «محزن ومؤلم ومقلق»، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة «لا تهدف الى تعليق الحكم الذاتي (وفق المادة 155 من الدستور) بل إلى إعادة القانون والوفاق» في كاتالونيا.
وقبل مجمل هذه التطورات التي من المتوقع أن تأخذ إسبانيا نحو مواجهة مجهولة الأفق، كانت النيابة العامة الإسبانية قررت توجيه تهمة العصيان إلى بيديغمونت، ومن المتوقع أن تتخذ المحكمة قراراً بشأن قبول التهمة ضده، فيما يعاقب القانون الإسباني على جريمة «العصيان» بالسجن مدة تصل إلى 30 عاماً.
ومن بين الإجراءات الأخرى التي أعلن عنها راخوي، إقالة مدير الشرطة الإقليمية الكاتالونية وممثلي الحكومة الكاتالونية في مدريد وبروكسل وإغلاق «الممثليات» الكاتالونية في العالم باستثناء بروكسل.
وعلاوة على إقالة جميع أعضاء حكومة إقليم كاتالونيا، قال راخوي إن مهمات حكومة كاتالونيا ستتولاها «هيئات تؤسّسها الحكومة الوطنية لهذه الغاية»، لكن «مبدئياً من قبل الوزارات (الوطنية)، ما دام هذا الوضع الاستثنائي مستمراً».
وبموجب الإجراءات التي كانت المقترحة، سيصبح جهاز شرطة منطقة كاتالونيا «موسوز ديسكوادرا»، الذي يضم 16 ألف عنصر، تحت سلطة مدريد مباشرةً، فيما طلب راخوي إمكان استبدال عناصر شرطة كاتالونيا إذا لزم الأمر، «بعناصر من قوات أمن الدولة»، أي الشرطة الوطنية والحرس المدني.
وسبق أن وضعت الحكومة مالية الإقليم تحت الوصاية في أيلول، في محاولة ــ لكن من دون جدوى ــ لمنع إجراء الاستفتاء حول الاستقلال، الذي نظم في 1 تشرين الأول، رغم حظر القضاء الإسباني له (وتبقى هذه العقوبة سارية). وتطالب، الآن، بسلطة ممارسة كل الصلاحيات المالية في شق الموازنة والضرائب لضمان ألا يذهب أي من المال الذي يُحصّل من الضرائب المحلية، أو من المبالغ التي تحولها مدريد إلى المنطقة، لتمويل جهود الانفصال. ويريد راخوي تولي «مهمات حكومة إقليم كاتالونيا في مجال الاتصالات والخدمات الرقمية».


مشكلة راخوي
هي أن الدولة
الإسبانية غير موجودة فعلياً في كاتالونيا

إلا أن ما كان قد حذّر منه العديد من المحللين قد يكون السبب وراء إعطاء حكومة كاتالونيا ثلاثة أيام للتراجع عن الاستقلال، ذلك أن تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني ستكون دونه عقبات كثيرة، منها ما ينطلق من الواقع الكاتالوني، وغيرها ما يتأتى من الواقع الإسباني الراهن. وفي هذا السياق، أشارت صحيفة «إل باييس» إلى أنه «إذا كان من الصعب إعلان (المادة 155)، فإن تطبيقها سيكون مستحيلاً»، وذلك باعتراف أحد كبار المسؤولين الإسبان، ما يوضح عدم اليقين الذي شعر به ماريانو راخوي، في ما يتعلق بفعالية الإجراء الذي كان يتمنى من خلاله أن يعيد النظام الدستوري إلى تلك المنطقة.
ولم يكن من الواضح ما إذا كان بالإمكان تطبيق هذه المادة التي لم تطبّق سابقاً، إذ إن الصحيفة أشارت في هذا المجال إلى «المقاومة السلبية والمقاومة الفاعلة» التي قد تطبّقها الحكومة الكاتالونية.
«المشكلة الحقيقية في ما يتعلق بإقالة حكومة بيديغمونت، هي المقاومة التي يمكن أن يفعّلها موظفون عامّون، كباراً وصغاراً»، على حد تعبير الصحيفة. أما النوع الآخر من المقاومة، فيمكن أن يتمظهر في تظاهرات ضخمة واحتجاجات لعرقلة تطبيق المادة 155.
من جهة أخرى، فإن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى راخوي تكمن في أن «الدولة الإسبانية غير موجودة فعلياً في كاتالونيا، وهذه مشكلة هيكلية». وكما تشرح جامعات برشلونة الأمر، فإن «حضور الدولة الإسبانية في المنطقة هو اسمي بحت، ومحصور بمكتب الضرائب والأمن الاجتماعي». فضلاً عن ذلك، فإن «قوة الدولة الإسبانية أسطورية أكثر منها فعلية»، تضيف الصحيفة، موضحة أنه «علاوة على الأزمة الكاتالونية، تمر الحكومة الإسبانية بأزمة سلطة ووظيفة، وذلك بسبب تحويل السلطات إلى المناطق، وانتهاج سياسة الخصخصة».
(الأخبار)





رفض أوروبي وأميركي

توالت المواقف الدولية والأوروبية المعارضة لإعلان استقلال كاتالونيا، والمشدّدة على «وحدة إسبانيا». بينما أكد رئيس المفوضية الأوروبية جان ــ كلود يونكر أن الاتحاد الأوروبي ليس بحاجة إلى «مزيد من التصدعات»، أعلنت ألمانيا عدم اعترافها بإعلان إقليم كاتالونيا استقلاله من جانب واحد، وفق ما صرّح به متحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وفي باريس، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، «دعمه الكامل» لرئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، من أجل «احترام» دولة القانون في إسبانيا، في موقف كررته بريطانيا.
أميركياً، رأت وزارة الخارجية أن كاتالونيا «جزء لا يتجزأ من إسبانيا»، معربة عن دعمها إجراءات مدريد لإبقاء البلاد «قوية وموحدة».