أصبح الزواج الديني في تركيا متاحاً، وفق قانون جديد وقّعه الرئيس رجب طيب أردوغان، يسمح للمفتين المعيَّنين من الدولة بإتمام عقود الزواج، وهي خطوة يقول منتقدوها إنّها قد تهدد الأسس العلمانية للدولة التركية.


القانون الذي طرحته الحكومة وصدّق عليه البرلمان، الشهر الماضي، في ظلّ معارضة شديدة، نُشر، أمس، في الجريدة الرسمية إثر توقيع أردوغان عليه في وقت سابق، وهو ما جعله نافذاً. ويسمح القانون للمفتين بإتمام عقود الزواج وتسجيلها، وكذلك لموظفي دور الإفتاء المدنيين المعينين من الدولة.
كما هو متوقع، فإنّ أبرز منتقدي القانون كان «حزب الشعب الجمهوري»، المعارض الأبرز للحكومة حالياً، ووريث الحزب المؤسس للجمهورية التركية في عام 1923، التي من أبرز مبادئها «العلمانية».
بالنسبة إلى النائب عن «حزب الشعب»، سيزغين تنريكولو، هذا القانون هو عبارة عن خطوة جديدة لـ«حزب العدالة والتنمية، تُلحق الضرر بالأسس العلمانية للدولة وتبعد الناس عن العلمانية»، وفق ما قال في مقابلة مع وكالة «فرانس برس». بينما رأى النائب عن الحزب نفسه، مراد بقان، في مقابلة مع صحيفة «تلغراف» البريطانية، أنّ «العدالة والتنمية» يُحوِّل كلّ القطاعات في البلاد، من التعليم إلى الزواج فالقطاعات الدينية، مضيفاً أنّ هذه الممارسات «مناقضة كلياً للعلمانية».
في المقابل، تصرُّ الحكومة على أن عقود الزواج أمام المفتين هي عقود زواج مدنية، وبالتالي إنّ القانون «يُنظِّم الحياة العلمانية وليس الحياة الدينية». غير أنّ تنريكولو رأى أن القانون «ليس ضرورياً»، وعبّر عن الخشية من أن المواطنين يمكن أن يشعروا بالضغط لإجراء زواج ديني. ورأى أنّها ممارسة تمييزية تُزرع بذورها اليوم، معرباً كذلك عن القلق من أنّ هذا التعديل سيفاقم مشكلة موجودة أساساً في البلاد، هي زواج الأطفال.
في هذا الشأن، سبق لجمعيات حقوق المرأة في تركيا أن رفعت الصوت بشأن الزواج المبكر، موضحة أن بعض المفتين يقومون أصلاً بتزويج الفتيات القاصرات بنحو غير قانوني. وأشارت صحيفة «تلغراف» إلى أن 15 في المئة من الفتيات في تركيا يُزوَّجنَ وهنّ تحت سن الثامنة عشرة، مستندة إلى أرقام نشرتها منظمة «غيرلز نوت برايدز» الدولية. وفي حديث إلى الصحيفة البريطانية نفسها، لفتت النائبة المستقلة، أيلين نازلي أكا، إلى أنّ هذا القانون بمثابة «تحضير لأرضية قانونية تسمح بالاستغلال الجنسي للأطفال وبزواج القاصرات».


تقول الحكومة
إنّ هذا القانون يُنظِّم الحياة العلمانية
لا الحياة الدينية


جدير بالذكر أنّ «العدالة والتنمية» حوّل الجدال المحيط بالقانون إلى مسألة سياسية، إذ أولَته الحكومة أهمية بالغة في الشهر الماضي، وبدا إمراره تحدياً للمعارضة مع قول أردوغان في وقت سابق إنّ القانون سيُمرَّر «شئتم أو أبيتم»، فيما علّق البعض على هذا التصريح بالقول إنّ الرئيس التركي يسعى إلى جذب الصوت الديني في سياق التحضير لانتخابات عام 2019.
على هذا الصعيد، يرفع هذا القانون مستوى الشكوك بنيات أردوغان وحزبه إزاء «علمانية الجمهورية التركية»، وذلك بعدما خفضت تدريجاً، الحكومات المتعاقبة لهذا الحزب، القيود على ارتداء الحجاب في قطاعات التعليم والسياسة والشرطة، وأخيراً في الجيش. إلا أنّ إقرار القانون، يأتي خلال مرحلة حساسة تمرّ بها البلاد، خاصة عقب محاولة الانقلاب التي وقعت في صيف 2016، إذ تشهد تركيا انقساماً سياسياً وتوتراً لم تعرفه خلال حكم «العدالة والتنمية» من قبل، ما يزيد من الشكوك بشأن التوقيت السيئ الذي عرض فيه الحزب الحاكم هذا القانون. علماً أنّ الحكومة ترفض مجمل الانتقادات الموجهة إليها، وتقول إنّها تسمح بحرية العبادة لجميع المواطنين الأتراك، وإنّ رفع الحظر الذي كان مفروضاً على ارتداء الحجاب، مثلاً، يجعل تركيا متماشية مع القواعد المعمول بها في العديد من الدول الغربية، ذات الغالبية غير المسلمة.
على الصعيد السياسي، فبرغم أنّ «حزب الشعب الجمهوري» قد خسر المعركة ولم يتمكن من إيقاف تمرير القانون الجدلي، إلا أنّه وعد برفع طعن فيه أمام المحكمة الدستورية بعد إقراره ونفاذه.
(الأخبار)




رفض «حجة العلمانية»

رفض كتّاب أتراك «حجة العلمانية» التي يطرحها «الجمهوريون» في مناهضتهم للقانون. وعلى سبيل المثال، فقد أُعفِيت الصحافية والمحللة السياسية، نوراي مرت، من عملها في صحيفة «جمهورييت» (يسار وسط) بعدما كتبت أنّ القانون المذكور «قد يكون مفيداً في محاربة استغلال الحقوق الذي يحصل في الزيجات الدينية غير القانونية».
وقالت مرت في حديث إلى موقع «ميدل إيست آي» إنها ترى في موقف النواب الجمهوريين «جهلاً» وإن «موقف المعارضة غير مبرر». ووفق وجهة نظرها، فإنّ من يحقّ لهم «الاستياء» من هذا القانون هم «الإسلاميون الراديكاليون» الذين قد يرون فيه محاولة لإلزام السيدات المتدينات بالقانون المدني للدولة.