بدت الصحف الإسرائيلية أمس كأنها صدرت في اليوم الذي يلي كارثة وحداداً وطنياً كبيراً. وصف وتحليل تداعيات الاتفاق النووي وسبل مواجهته، مع انتقاد كاد يكون جامعاً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي «لم يتصرف كما يجب»، وتسبب في «الاتفاق السيّئ».


وكادت الصفحات الأولى لكبريات الصحف أن تصدر بالألوان السوداء والصفراء، مع صور للاحتفالات التي عمّت المدن الإيرانية بالاتفاق النووي. وفيما كان العنوان البارز لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «العالم خضع لإيران»، عنونت صحيفة «إسرائيل اليوم»، المقرّبة من نتنياهو، صفحتها الأولى بـ«اتفاق وصمة العار الأبدية»، أما صحيفة «معاريف»، ففضّلت عنواناً تحليلياً وملأت صفحتها الأولى عبارة «شرق أوسط جديد».
مع ذلك، ورغم أن الكتابات التحليلية عادت وأكدت سوء الاتفاق والكارثة الكامنة فيه، إلا أن تحليل ما بعد صدمة الاتفاق، التي كانت بطبيعتها متوقعة كما جاءت في الإعلام العبري وفي تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، بدأ من منظور القدرة الإسرائيلية الفعلية على التأثير، ويطالب بضرورة العمل على «التعايش» مع الاتفاق، مع التطلع إلى واشنطن وإلى «حزمة التعويضات» المرتقبة من الأميركيين، مالياً وعسكرياً.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» رأت أن «العالم خضع لإيران»، ووجهت الانتقاد في مقالها الافتتاحي ضد الاتفاق وضد الإدارة الأميركية، لكنها أكدت في المقابل أن السبب في الوصول إلى الاتفاق السيّئ هو نتنياهو نفسه، لأنه لو قارب المسألة بشكل مغاير لكانت النتائج أفضل، ولو تواصل مع الأميركيين مع توجهات عقلانية، لكان حافظ على المصالح الإسرائيلية في إطار الاتفاق.
وكتب كبير معلقي الشؤون العسكرية في الصحيفة، أليكس فيشمان، يشير إلى أن المسعى الرسمي الإسرائيلي في دفع الكونغرس الأميركي لرفض الاتفاق النووي محكوم بالفشل مسبقاً، إذ إن «المعركة الإسرائيلية بهذا الشأن خاسرة»، ودعا في المقابل إلى وقف مهاجمة الاتفاق والعمل سريعاً على بلورة «سلة المطالب» من الأميركيين، وتعويض إسرائيل عن الضرر الذي أصاب مكانتها الاستراتيجية في المنطقة.
وكتب في «يديعوت أحرونوت» أيضاً، رئيس مركز «أبحاث الأمن القومي»، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء عاموس يدلين، يؤكد أن الاتفاق النووي مع إيران هو تحدّ جدّي للأمن القومي الإسرائيلي، إذ إن إزالة العقوبات سيوفر لإيران ما يلزم من أموال لدعم طموحاتها الإقليمية وقدراتها العسكرية. لكن في الوقت نفسه، أشار إلى أن الاتفاق زاد المدة الزمنية التي تحتاج إليها إيران لإنتاج القنبلة النووية الأولى من ثلاثة أشهر إلى عام كامل، مع نظام رقابة أشمل من السابق، وذلك «رغم أن الاتفاق غير قادر فعلياً على إحباط المشروع النووي الايراني».


فضلت «معاريف» عنواناً
تحليلياً وملأت صفحتها الأولى بعبارة «شرق أوسط جديد»

ورجّح يدلين أن تلتزم إيران باتفاق فيينا، لكنه حذر من أن التزامها سيكون خطراً جداً، لأن بإمكانها أن تستغل مدة الاتفاق لتعزيز قدراتها وخبرتها التكنولوجية النووية، وبذلك تقلص الفترة الزمنية التي تحتاج إليها لتصنيع القنبلة النووية الأولى.
وفي «هآرتس»، كتب محلل الشؤون العسكرية في الصحيفة، عاموس هرئيل، يشير إلى أن الذي حصل في فيينا هو أن « البقرة (الولايات المتحدة) أرادت أن ترضع أكثر مما يريد العجل (إيران) أن يرضع»، مؤكداً أن اتفاق فيينا بات حقيقة ناجزة رغم كل المساوئ الكامنة فيه، و«إيران هي الآن قوة إقليمية وعلى إسرائيل أن تجد رداً على ذلك».
وقال هرئيل إن الرئيس الأميركي باراك أوباما سينتظر في واشنطن وصول نتنياهو مع «دفتر شيكات» ودعم سخي لإسرائيل في المجال الأمني والعسكري، مع تأكيده في المقابل أن «الخيار العسكري الإسرائيلي ضد المنشآت النووية الإيرانية لم يعد خياراً واقعياً».
أما صحيفة «إسرائيل اليوم»، التي تعدّ الصحيفة الناطقة باسم نتنياهو، فبرز فيها «اللطم والنواح» على الكارثة التي حلت بإسرائيل، ووجهت انتقادات لأوباما ووزير خارجيته جون كيري، وقدمت اتفاق فيينا على أنه الاتفاق الذي سيؤدي إلى إبادة إسرائيل.
المقال الرئيسي في الصحيفة، تحت عنوان «وصمة العار الأبدية»، قارن بين اتفاق فيينا واتفاق ميونيخ لعام 1938، بين بريطانيا وفرنسا من جهة، وألمانيا النازية، والذي قاد لاحقاً إلى الحرب العالمية الثانية. ويتخلل المقال صورة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري يلوّح باتفاق فيينا، وإلى جانبها صورة أخرى من أرشيف عام 1938 لرئيس الوزراء البريطاني السابق نفيل تشمبرلين، يلوّح أيضاً باتفاقية ميونيخ، مع الإشارة إلى أن اتفاق فيينا سيقود إلى حرب جديدة، وإلى كارثة «هولوكوست» جديدة لليهود.
وضمن السياق نفسه، كتب دان مرغليت في «إسرائيل اليوم» يؤكد أن إيران تتحول إلى القوة العظمى في الشرق الأوسط برعاية من أوباما نفسه، و«إذا كان (الرئيس الأميركي السابق جيمي) كارتر ساهم في إسقاط نظام الشاه، إلا أن (باراك) أوباما أعطى آيات الله مفتاح الشرق الأوسط».
أما صحيفة «معاريف» التي أكدت أن الاتفاق يتسبّب في «شرق أوسط جديد»، فهزأت من قرار المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، الذي رفض اتفاق فيينا، ورأت أنه مساو تماماً لقرار قد يصدر عن المجلس يقرر أن يعطي أو يمنع عن إيران ملكية كوكب «بلوتو». وأكدت الصحيفة أن الاتفاق بات منجزاً، ومن الصعب الحؤول دونه، ولن ينجح نتنياهو في إسقاطه في الكونغرس.
وأشارت «معاريف» إلى أن إيران اشترت لنفسها من خلال الاتفاق حصانة من الغزو وحصانة من الهجوم العسكري، وذلك طوال العقدين المقبلين، أما إسرائيل فباتت معزولة أمام إجماع عالمي مؤيّد للاتفاق.