طهران | قبل ثلاثة عشر عاماً، كشف عن مشروع نووي لتخصيب اليورانيوم في إيران. الموضوع لم يكن سرياً، فكافة دوائر الاستخبارات العالمية والإقليمية كانت على معرفة به وبتفاصيله، ولكنها أرادت أن يدب الرعب في قلوب العامة، فأعلنت عن برنامج نووي إيراني لتخصيب اليورانيوم، مع العلم أن الدول الست التي تفاوض طهران تمتلك معظم القنابل للترسانة النووية العالمية. اليورانيوم كان الشماعة التي ألصقت عليها العقوبات كافة ضد إيران، فالحساب مع طهران لم يكن على التقنيات بل على النيات.


الإمكانات الإيرانية حينها لم تكن تتجاوز 305 أجهزة طرد مركزي من الجيل الأول، أوقفت جميعها في اتفاقية سعد أباد (تشرين الأول 2003)، وهو أول إعلان اتفاق نووي بين إيران والترويكا الأوروبية وقتها (فرنسا ألمانيا وبريطانيا). دخلت الولايات المتحدة والدول الأخرى، في عام 2006، في المفاوضات لتُعرف بـ«5+1» ( الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الإمن، بالإضافة إلى ألمانيا). إذاً، بعد عمليات تخصيب اليورانيوم بدأ مجلس الأمن الدولي بفرض العقوبات تلو الأخرى، لأن طهران لم تلتزم وقف تخصيب اليورانيوم، بحسب توصيفه ستة قرارات في مجلس الأمن على الصعد التجارية والاقتصادية والمالية والنقل... أضيفت إليها لائحة طويلة من العقوبات الأحادية أميركياً وأوروبياً، لتغلق الأرض والبحر والسماء بوجه إيران.
أكمل المشروع النووي وتيرته التصعيدية، أنجزت دورة الوقود النووي بالتزامن مع تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، هدّد الإيراني أكثر من مرة بترك طاولة المباحثات إذا لم يجرِ التعامل معه باحترام، كذلك هدد مجلس الشورى الإيراني الغرب برفع مستوى التخصيب إلى 60 في المئة. بعد مباحثات موسكو، في حزيران 2012، اقتنع الغرب بضرورة العمل على ورقة المقترحات الإيرانية. لذا، جاءت رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي، بالحاجة الأميركية للحوار.
انتهت لعبة التصعيد الإيراني عند هذا الحد، لقد جرى نصب الفخ وإحكامه، استدرجت الطريدة إليه وأصبحت في دائرة الهدف، لم يبقَ إلا الإطباق عليها.
في عام 2013، وصل محمد جواد ظريف إلى مبنى وزارة الخارجية التراثي جنوبي العاصمة طهران، وتسلّم هناك مقاليد التفاوض النووي، لتنطلق عملية الإطباق. ألغت طهران نسبة الـ20%، وقبلت بالقليل الذي يسدّ حاجتها من اليورانيوم بنسبة 3.6 %، وافقت على العمل ببعض الأمور التي لا تحتاجها، مع تقديم بعض التنازلات التي تعدّ مورد انتقاد وبحث داخلي. المهم أن الغرب سارع إلى احتواء التراجع الإيراني، على مبدأ الاعتراف بنسبة قليلة من التخصيب كبداية، ثم العمل للإجهاز على عمليات التخصيب. كان الاستدراج الإيراني في محله، أعلن في جنيف اتفاق إطار يعترف بحق إيران بتخصيب اليورانيوم، فيما لم يسارع الإيراني إلى كشف أوراقه، فقد بقي على هدوئه المعهود ووزع الابتسامات من دون أي إشارات إلى نجاح الخطة. عاد الوفد بعد ذلك إلى طهران وأعلن نصره: الغرب اعترف بتخصيب اليورانيوم على رؤوس الأشهاد، أُخذ الإمضاء الغربي على الأوراق التي تنص بحق تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.6%.
خرقت طهران جدار الأمم المتحدة بأسلحة الدول الست ونسفت عشر سنوات من الحظر، فكيف يمكن العالم أن يتفهم أنّ الغرب اعترف بحق إيران بتخصيب اليورانيوم، ومجلس الأمن الدولي يفرض عقوبات على إيران، لأنها تقوم بأنشطة تخصيب اليورانيوم.
هنا ضُربت كافة الجهود الغربية وتحطّمت الصدقية الأميركية، ما يدفع إلى التدقيق بعبارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري بعد اتفاق فيينا الأخير، الذي قال: «لو لم نتفق لانهار نظام العقوبات». وبالفعل استطاعت إيران انتزاع حقها من واشنطن وأدخلت السداسية الدولية في دوامة من الخلاف، فمارست ضغوطاً على بعضها للقبول بالشروط الإيرانية.
نجحت إيران لأنها لم تحاول فرض منطقها على الآخرين، بل لأنها أثبتت أن منطق الطرف المقابل خاطئ ولا أساس له.