لم تتخطّ زيمبابوي بعد الصدمة التي ضربت البلاد بعد تطويق الزعيم المخضرم والمريض، روبرت موغابي، في مقر إقامته، مساء الثلاثاء، فيما كان الجنود يتمركزون في نقاط استراتيجية في العاصمة هراري وجنرالات الجيش يسيطرون على التلفزيون الحكومي. ومع مرور ثلاثة أيام على تحرك الجيش، يبدو أن الأمر بات شبه محسوم بأن نهاية حكم موغابي الذي استمر 37 عاماً قد جاءت فعلاً، رغم رفض الرئيس المخضرم بإصرار الاستقالة.


واختارت مجلة «ذي إيكونومست» البريطانية على غلاف عددها الصادر أمس، أن تضع صورة الزعيم الأفريقي مع عنوان «سقوط ديكتاتور» ووسعت في ثلاث صفحات قصة «موغابي الذي تعلق بالحكم لوقت طويل ودمر بلاده»، وهي قصة «يجب على العالم أن يتعلم منها وأن يساعد زيمبابوي على التعافي منها».
ويبدو أن موغابي، القائد المحبوب في السبعينيات الذي حارب ضد حكم البيض في جمهورية روديسيا آنذاك، وربح الانتخابات شرعياً في بلاده في عام 1980، غير قادر على تخطي الأزمة التي تفاقمت نتيجة خلاف سياسي داخل الحزب الحاكم «زانو – بي أف». ويترافق ذلك مع سياسات سيئة تراكمت على مدى السنوات، وخصوصاً الاقتصادية منها، مع فهم موغابي الخاص لـ«الاشتراكية»، ما أدى في النهاية إلى نقص كبير في الغذاء هذا العام لدى ربع سكان البلاد البالغ عددهم حوالى 16 مليون نسمة وارتفاع نسبة البطالة إلى 90 في المئة. قد لا يغير الانقلاب شيئاً من الوضع السيئ في البلاد، وخصوصاً أن الانقلابيين من الجيش هم من الضباط الذين أحاطوا بموغابي لوقت طويل، وهم جزء من النظام الذي أسسه.
وقال زعيم المعارضة، مورغان تسفانجيراي، أمس، إن الرئيس موغابي يجب أن يستقيل من أجل مصلحة البلاد. لكن موغابي يصر على أنه لا يزال الزعيم الشرعي الوحيد للبلاد، ورفض وساطة من قس كاثوليكي تسمح له بخروج مشرّف من السلطة بعد الانقلاب.


أحد دوافع الجيش هو منع تولي غرايس موغابي السلطة
بعد زوجها

وفيما لم يدل موغابي أو زوجته غرايس بأي تصريح منذ بدء العملية، وخصوصاً أن أحد دوافع الجيش هو منع تقدم زوجة موغابي، غرايس (52 عاماً)، سياسياً، وتوليها السلطة بعد زوجها. وأبرز هؤلاء الممانعين هو نائب الرئيس إيمرسون منانغاغوا (75 عاماً) الذي عزل قبل أيام. ومنانغاغوا الذي يقف الآن كمعارض أساسي، كان من أكثر الأوفياء لموغابي. لكن الرجل فرّ إلى جنوب أفريقيا بعد إقالته ونشر خطاباً فيه انتقادات لاذعة لقيادة موغابي والطموح السياسي لزوجته.
وبعد أيام على المواجهة الناجمة عن عزل نائب الرئيس، سيطر جيش زيمبابوي على العاصمة هراري. وخلال محادثة، أول من أمس، مع نظيره الجنوب أفريقي، جاكوب زوما، أعلن الرئيس موغابي أن العسكريين يحتجزونه في منزله. واتهم حزب «زانو - بي أف» الحاكم قائد الجيش، الجنرال كونستانتينو شيونغا، «بالخيانة» بعدما انتقد موغابي لإقالته نائب الرئيس. وبعد ذلك، تصاعدت التكهنات في هراري بأن موغابي قد يسعى إلى إزاحة شيونغا الذي يعد حليفاً لمنانغاغوا المقال، غير أن العكس حصل وأصبح موغابي الآن في موقع المعزول. وكان منانغاغوا قد حذر الرئيس موغابي من أنه سيتدخل إذا ما استمر في تطهير حزب «زانو - بي أف».
ليس من الواضح الآن مع إصرار موغابي على البقاء في السلطة كيف ستتطور الأمور، إلا أن المحلل في معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا، ديريك ماتيسزاك، رأى أن من المتوقع أن يعد موغابي والجيش لتسليم السلطة إلى رئيس جديد. واعتبر أنه لا يزال بوسع موغابي «البقاء في زيمبابوي. أعتقد أنهم سيفضلون تقديمه كرمز للتحرير وإبداء الاحترام اللازم له».
تزامناً مع ذلك، التقى قادة مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية، التي يرأسها حالياً حليف موغابي رئيس جنوب أفريقيا، جاكوب زوما، أمس، في بوتسوانا لمناقشة الوضع المقلق. بدوره، حذر الرئيس الغيني، ألفا كوندي، وهو الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، أمس، من أن الاتحاد لن يقبل «بالانقلاب العسكري» في زيمبابوي، مطالباً بـ«عودة النظام الدستوري» إلى البلد. واعتبر أن «محاولة القضاء على كبار قادة النضال من أجل الاستقلال الذين كانوا أبرز داعمي الرئيس موغابي، تطرح مشكلة». لكن كوندي شدد على ضرورة «إيجاد حل سياسي لهذه المشاكل الداخلية في إطار زانو - بي إف (الحزب الرئاسي) وليس من خلال تدخل للجيش»، مضيفاً أن من الممكن «إيجاد حل حتى تجرى انتخابات حرة وشفافة العام المقبل».
(الأخبار، أ ف ب)