رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن المواقف التي أطلقها مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، خلال خطبة عيد الفطر، أسقطت الرهان على إمكان إحداث تغيير في سياسة الجمهورية الإسلامية الخارجية بعد الاتفاق النووي. لكن نتنياهو تجاهل حقيقة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما شدد أكثر من مرة على أن العامل الرئيسي الذي دفعه إلى هذا الاتفاق يكمن في الخيارات البديلة التي هي في نظره عقيمة، وستؤدي في نهاية المطاف إلى نشوب حرب قاسية في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران.


ورغم إدراك نتنياهو المنطق الذي يستند إليه أوباما، فإنه مصرّ على تكرار الحديث عن التداعيات التي يمكن أن يؤدي إليها الاتفاق على مستوى المنطقة، وفي ما يتعلق بإيران نفسها التي ستصبح أكثر قوة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. ورأى رئيس وزراء العدو في مواقف السيد خامنئي مؤشراً على أن الإيرانيين لا يبذلون أي جهد لإخفاء نيتهم لاستخدام مئات المليارات من الدولارات من أجل تسليح آلتهم «الإرهابية»، وهم يقولون بما لا لبس فيه إنهم سيواصلون صراعهم مع الولايات المتحدة ومع الدول الحليفة لها وفي مقدمتها، بطبيعة الحال، إسرائيل.
في السياق نفسه، حذّر نتنياهو من أن إيران التي تزوّد اليوم المنظمات «الإرهابية» بالصواريخ، ستكون لديها القدرة غداً على تسليحها وتسليح نفسها بأسلحة أكثر خطورة بكثير. وتابع أن الاتفاق الذي تم التوقيع عليه يمهّد طريق إيران نحو التزود بأسلحة نووية، سواء خلال عقد ــ في حال قررت إيران الإيفاء بالاتفاق ــ أو قبل ذلك بكثير في حال قررت خرقه، كما اعتادت ذلك، وفقاً لادّعائه.
وفي محاولة للرد على الرئيس الأميركي، اعتبر، أيضاً، رئيس حكومة العدو أن البديل الذي طرحته تل أبيب «مرة تلو أخرى» من هذا الاتفاق «الفاشل» هو مواصلة العقوبات المفروضة على طهران، بل تشديدها واشتراط رفع العقوبات عن البرنامج النووي الإيراني ورفع الضغوط المفروضة عليها باشتراط تغيير سياستها، فقط. وفي حديث نتنياهو إشارة إلى مطلب دولته باعتراف إيران بوجود إسرائيل ووقف دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. كذلك رأى أنه ما دامت القيادة الإيرانية تشجع على ترديد الهتافات «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، فلا داعي لتقديم أي تنازلات لها.
وفي ما يبدو جزءاً من الحملة التي خططت لها إسرائيل لتحريض الرأي العام الأميركي ضد الاتفاق النووي مع إيران، كرر نتنياهو استحضار مواقف مرشد الجمهورية الإسلامية، وذلك خلال مقابلتين أجراهما مع شبكتي «ABC» و«CBS» الأميركيتيْن. فلفت إلى أن إيران أكدت بكلام السيد خامنئي مواصلة كفاحها ضد الولايات المتحدة، كما أنها ستواصل تقديم دعمها التنظيمات «الإرهابية» في الشرق الأوسط والعالم، إضافة إلى بقائها ملتزمة بإبادة إسرائيل.
وأضاف نتنياهو: «النظام الإيراني حصل على صفقة ما كان يستطيع تخيّلها، كونها تفسح المجال أمام إيران لتكون دولة عتبة نووية تتمتع بالشرعية الدولية الكاملة، كما سيكون بإمكانها بعد 10 أو 15 سنة امتلاك عدد غير محدود من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، في حال لم تخرق الاتفاق حتى ذلك الحين».
ومرة إضافية، شدد رئيس وزراء العدو خلال المقابلتين على أن الاتفاق يعني ضخّ النقود الهائلة للخزانة الإيرانية، ما يسمح لطهران بتمويل «ممارسات الإرهاب والعدوان» الخاصة بها، والتي تستهدف إسرائيل والمنطقة وأميركا والعالم بأسره. وفي النتيجة، خلص نتنياهو إلى القول إن الصفقة مع إيران سيئة للغاية ولا تصبّ في أمن أي جهة، سواء أكانت إسرائيل أم الولايات المتحدة.
في ما يتعلق بالتعويضات المحتملة التي قد تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل في مواجهة تعاظم قوة إيران، رأى نتنياهو أنه «لا يوجد طريقة لتعويض إسرائيل إذا مرَّ الاتفاق الحالي». واختار كلماته بدقة عندما أراد أن يحرّض أعضاء الكونغرس الأميركي لرفض الاتفاق النووي، عبر مناشدتهم للمطالبة باتفاق أفضل. ورأى أن «هناك الكثير من الأمور التي من الممكن القيام بها من أجل وقف العدوانية الإيرانية، لكن الاتفاق الحالي ليس واحداً من هذه الأمور».
في هذا السياق، انسحب الكباش بين إسرائيل والسداسية الدولية إلى المؤتمر الصحافي المشترك بين نتنياهو ووزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، حينما دار جدل بينهما أمام الصحافيين قبيل لقائهما في القدس المحتلة، قبل أيام، أخذ فيه نتنياهو دور السائل ومن يطرح الإشكالية، فيما كان هاموند يرد عليه.
وفي مقابل مهاجمة نتنياهو الاتفاق وتكراره تقديراته ومواقفه التقليدية منه، ردّ هاموند بالقول: «نحن لسنا سذجاً»، مضيفاً أن التركيز سيكون الآن على تطبيق كامل للاتفاق ليضمن أن سلاحاً نووياً سيكون بعيداً عن متناول يد إيران. وقال: «نؤمن بأن إزالة تهديد القنبلة النووية سيسمح لإيران بأن تتعامل مع المجتمع الدولي، وهذه هي الطريق الأفضل، وربما الوحيدة، لبناء ثقة تسمح بحوار حول مواضيع أخرى أيضاً مع إيران».
مع ذلك، تابع هاموند بالقول: «ليس لدينا أوهام حيال دور إيران في المنطقة، لكن هذا لا يعني ألا نعمل من أجل إحباط تهديد تخصيب اليورانيوم... إيران معزولة، ويحكمها متطرفون، لن تغيّر سلوكها في المنطقة».
أما على مستوى التوظيف السياسي للاتفاق ضمن الساحة الداخلية الإسرائيلية، رغم إعلان رئيس كتلة «المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، رفض المشاركة في حكومة يمينية متطرفة، فإن الأجواء والتقارير توحي بأن محاولات توسيع القاعدة النيابية للحكومة لا تزال متواصلة. مع ذلك، شدد هرتسوغ، خلال كلمة أمام مؤتمر «حزب العمل»، على ضرورة استبدال حكومة نتنياهو في أقرب وقت، مؤكداً أنه لن يمنحها حبل الإنقاذ.
من جهة أخرى، دعا رئيس حزب «يش عتيد»، يائير لابيد، إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق نتنياهو في إحباط الاتفاق النووي مع إيران. وقال إن إخفاقاً بهذا الحجم يستدعي تشكيل لجنة تحقيق رسمية «تحقق في ما حدث للسياسة الخارجية لدولة إسرائيل». الأمر نفسه انسحب على زعيمة حزب «ميرتس» المعارض، زهافا غلاؤون، التي دعت إلى تشكيل لجنة تحقيق في أداء نتنياهو، وطالبت بأن تصوّت الهيئة العامة للكنيست على تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في أدائه في الملف الإيراني، والعلاقات مع الولايات المتحدة.