وصلت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إلى طريق مسدود في مفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي ثلاثي، دفعها، أمس، إلى إجراء مشاورات مع رئيس البلاد، فرانك – فالتر شتاينماير، لتفعيل إجراءات دستورية تخرج البلاد من أكبر أزمة سياسية تعيشها منذ سنوات. وفيما كان خيارا الانتخابات المبكرة وتشكيل حكومة أقلية، مطروحين، أعلنت المستشارة، أمس، تفضيلها إجراء انتخابات جديدة على قيادة حكومة أقلية، مضيفة أنها مستعدة للترشح مجدداً في حال إجراء انتخابات تشريعية مبكرة.


وعلى الرغم من رغبتها تجنّب ترأس حكومة أقلية، إلا أن تنظيم انتخابات مبكرة ستضعف موقف ألمانيا وأوروبا أكثر بعد الفشل تاريخي في مفاوضات تشكيل الائتلاف. في الأثناء، تعهدت ميركل، مساء الأول من أمس، «بذل كل ما في وسعها من أجل قيادة البلاد جيداً خلال الأسابيع الصعبة المقبلة».
يأتي ذلك فيما رفض شتاينماير، الذي يتمتع بحق إطلاق عملية حل مجلس النواب، اللجوء إلى هذا الإجراء على الفور، لأنه يريد أن يفسح المجال أمام ميركل لعرض كل الفرص من أجل تشكيل حكومة. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق من أجل تشكيل حكومة، سيتعيّن على شتاينماير إطلاق عملية ستنتهي باقتراع مبكر، لكن يمكن أن تستغرق أشهراً لعدم وجود إطار قانوني لتنظيم جدول زمني.
وفي كلمة متلفزة، قال الرئيس الألماني إنه يتوقع «من كل الأحزاب أن تكون مستعدة للحوار لتسهيل تشكيل حكومة ضمن مهلة معقولة». وتابع قائلاً إن «سوء الفهم والقلق يسودان في بلادنا وأيضاً في الخارج، خصوصاً في الدول الأوروبية المجاورة إذا لم تتحلّ القوى السياسية لدينا بالمسؤولية». وتوجّه بندائه ذاك إلى المحافظين والليبراليين والخضر، وإلى «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» الذي يرفض التحالف مع ميركل بعد هزيمته في انتخابات أيلول 2017.


تختلف الأحزاب الأساسية على قضية استقبال مزيد من المهاجرين

من جهته، كرر خصم ميركل، زعيم الحزب «الاشتراكي الديموقراطي»، مارتن شولتز، أمس، تأكيده عدم خشيته «خوض انتخابات جديدة».
على المستوى الشخصي، بات مستقبل المستشارة السياسي غامضاً جداً، خصوصاًَ أن انتخابات مبكرة قد تصعّب من إمكانية حصولها على الثقة من جديد. كل ذلك كان نتيجة ذهاب أصوات حزبها في انتخابات أيلول 2017 إلى اليمين المتطرف المتمثل بـ«حزب البديل لأجل ألمانيا»، بعدما واجه موقفها الوسطي وقرارها فتح الحدود أمام أكثر من مليون مهاجر في عام 2015، اعتراضات متزايدة في الداخل.
ورحب المسؤولان في حزب «البديل لأجل ألمانيا»، أمس، ألكسندر غولاند وأليس فيدل، «بإجراء انتخابات جديدة محتملة». وتعرض زعيم الليبراليين، كريستيان ليندنر، الذي انسحب من المحادثات خلال الليل لاتهامات من بعض السياسيين والصحافيين بإفشال المفاوضات لغايات انتخابية.
ويعود الإخفاق في تشكيل حكومة إلى عدة نقاط خلاف أساسية بين الخضر والليبراليين والمحافظين، أولها قضية استقبال المهاجرين التي تُعَدّ مسألة خلافية في ألمانيا منذ عام 2015. من جهته، يريد «الاتحاد المسيحي الديموقراطي»، حزب المستشارة، وحليفه البافاري «الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، بالإضافة إلى الليبراليين، اعتماد سياسة أكثر تقييداً لأعداد المهاجرين الذين يجب على البلاد استقبالهم (200 ألف مهاجر في العام في حدّ أقصى). في المقابل، يرغب «الخضر» في تخفيف تلك القيود، والقيام بعملية لمّ شمل كاملة العام المقبل لجميع المهاجرين.
من جهة ثانية، تختلف الأحزاب الثلاثة على كيفية خفض البلاد لانبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون ليصل إلى المستوى المتفق عليه دولياً. ويرى «الخضر» أن البلاد لا يمكن أن تفعل ذلك من دون إغلاق 20 مصنعاً للفحم الحجري هي الأقدم في ألمانيا. هذه الخطوة يراها «الاتحاد المسيحي الاجتماعي» و«الحزب الديموقراطي الحر» (ليبراليون) عبارة عن «انتحار صناعي» لألمانيا، مثلما قال النائب في البرلمان الأوروبي عن الليبراليين، ألكسندر لامبسودورف، في وقت سابق.
خلاف آخر متعلّق ببعض المسائل العالقة في الاتحاد الأوروبي، أولها بشأن طبيعية الرد الألماني على مقترحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حول إصلاح الاتحاد الأوروبي. وفيما يرفض الليبراليون الاقتراح المتعلق بإنشاء ميزانية خاصة لمنطقة اليورو، وهو أمر يلقى تقبلاً لدى حزب ميركل، يرى «الخضر» أنّ من الضروري عدم ردّ «اليد المفتوحة» للرئيس الفرنسي. وقال ماكرون، أمس، إن «التشنج ليس في مصلحتنا... أي يتعيّن علينا أن نتقدم»، معرباً عن قلقه، في وقت سابق، إزاء الحائط المسدود في ألمانيا، لكنه أعرب عن الأمل في أن تظل برلين شريكاً «قوياً ومستقراً» حتى يتمكن البلدان من «المضي قدماً معاً».
(الأخبار، أ ف ب)