من بطل الاستقلال عن بريطانيا، إلى رئيس مستقيل. هكذا انتهت مسيرة 37 عاماً لرئيس زيمبابوي، روبرت موغابي، بإعلانه استقالته، أمس، في لحظة انتظرتها البلاد خلال هذا الأسبوع، بعدما بات وقوعها أمراً لا مفرّ منه. واستجاب موغابي لضغط الجيش والبرلمان، بعدما منح مهلة 24 ساعة فقط للتنحي أو يقوم البرلمان بعزله. وأعلن رئيس البرلمان، جاكوب موديندا، تلقيه استقالة موغابي أمام النواب في ختام جلسة طارئة في هراري كانت تناقش مسألة إقالته.


وتلا رئيس البرلمان رسالة من رئيس الدولة جاء فيها: «أنا روبرت موغابي، أسلّم رسمياً استقالتي كرئيس لجمهورية زيمبابوي مع مفعول فوري»، وسط تصفيق النواب. وأضاف موغابي في رسالته أنه اختار أن يستقيل «طوعاً... يعود هذا القرار إلى... رغبتي في ضمان انتقال سلمي للسلطة من دون مشاكل وعنف».
يأتي ذلك بعدما ضم، في وقت سابق، النائب السابق لرئيس زيمبابوي، إيمرسون منانغاغوا، صوته إلى جميع الذين يطالبون بالاستقالة الفورية للرئيس موغابي. وبعد حوالى أسبوع على تحرك الجيش بسبب عزله، دعا منانغاغوا، الملقب بـ«التمساح» في بيان «الرئيس موغابي إلى أن يأخذ في الاعتبار الدعوات التي وجهها الشعب لاستقالته لتتمكن البلاد من المضي قدماً». وأضاف منانغاغوا، الذي يعد الأوفر حظاً لتأمين مرحلة الانتقال السياسي المقبلة، أن الشعب «أثبت بوضوح من دون عنف رغبته الكبيرة» في التغيير.
وعزل روبرت موغابي نائبه منانغاغوا (75 عاماً) في 6 تشرين الثاني، بناءً على إلحاح السيدة الأولى غرايس موغابي التي تنازعه خلافة رئيس الدولة. لكن الأمور انقلبت على موغابي وزوجته، فقد أدت إطاحة منانغاغوا المؤيد للنظام ولبطل النضال من أجل «تحرير» زيمبابوي، إلى تدخّل الجيش الذي يسيطر على البلاد منذ ليل 14 تشرين الثاني.
ومنذ ذلك الحين، قاوم أكبر الرؤساء سنّاً في الحكم في العالم، النداءات إلى الاستقالة التي وجّهها العسكريون والشارع وحزبه الذي تخلى عنه. وقبل أن يخضع موغابي لإرادة المعارضة، كان أحد قدامى المحاربين في حرب الاستقلال الذين يشكلون أحد أركان النظام، قد دعا، أمس، إلى التظاهر لتسريع سقوط موغابي. وفي الأيام السابقة، قررت قيادة الحزب الحاكم «الاتحاد الوطني الأفريقي لزيمبابوي ــ الجبهة الوطنية» خلال اجتماع طارئ إقالة روبرت موغابي من رئاسة الحزب وأمهلته حتى ظهر الاثنين للتخلي عن منصب رئيس البلاد، وإلا فستبدأ إجراءات إقالته.
ومنذ بداية الأزمة، أصرّ الجيش على أن ما يقوم به ليس انقلاباً، وحاول التوصل بهدوء إلى إقالة رئيس الدولة، لتجنب الانتقادات والتهديدات المحتملة من البلدان المجاورة، حيث لا تزال صورة روبرت موغابي «المحرر» حاضرة، وهي تعود إلى السبعينيات والثمانينيات نتيجة الدور الذي لعبه في تحرير بلاده. موغابي الذي هيمن على المشهد السياسي في زيمبابوي لأربعة عقود، قاد بلاده منذ الاستقلال في عام 1980، إذ كان بطلاً في حرب العصابات في السبعينيات، وقاتل لتحرير البلاد من حكم الأقلية البيضاء (كانت زيمبابوي تعرف حينها بروديسيا وكانت مستعمرة بريطانية منذ مئة عام).
ربح موغابي الانتخابات عام 1980 ليصبح رئيس حكومة البلاد، وفي عام 1982 اتهم المعارضة بمحاولة إطاحة حكومته، ما أدى إلى صراع راح ضحيته عشرات الآلاف من المدنيين، بعدما أحضر موغابي جنوداً مدربين في كوريا الشمالية إلى زيمبابوي في محاولة منه لضرب مناوئيه. أصبح رئيساً للجمهورية في عام 1987 بعدما عدّل الدستور وعزز صلاحياته وسلطته.
بدأ الانهيار الاقتصادي الكبير في عام 2000 عندما طلب موغابي وضع اليد على المزارع المملوكة من قبل الأقلية البيضاء والتي كانت حيوية لاقتصاد البلاد. وتراجعت نتيجة لذلك العملة الوطنية. بعد انتخابات عام 2008، أجبر موغابي على مشاركة السلطة مع قائد المعارضة مورغان تسفانجيراي. وقد حصل ذلك على الرغم من العنف الذي مورس بحق تسفانجيراي ومناصريه خلال الحملات الانتخابية. كان زواجه من غرايس موغابي التي تصغره بأربعين عاماً خطوة سيئة في مسيرته السياسية، وخصوصاً بعدما غضب كثيرون من إمكانية توليها السلطة من بعده ليتدخل الجيش أخيراً ويجبر موغابي على الاستقالة.
(الأخبار، أ ف ب)